تعتبر تجربة الفنان الألماني بول كلي الأشد خصوبة وإثارة للأسئلة المرتبطة بالتوافق التجريدي بين التصوير والموسيقى. تُطرح هذه الاشكالية بشدة اليوم مع ثلاثة معارض في 2008 متاحف بروكسيل وبيرن وفيينا الأول حتى منتصف أيار مايو والثاني حتى نهاية آب اغسطس والثالث يستمر حتى منتصف أيلول سبتمبر 2009. كان كلي اضافة الى ريادته التصويرية عازفاً محترفاً على الكمان وبعض الآلات الوترية العريقة التي استخدمها باخ. واذا كان الحضور المعاصر الأول الذي يصبو الى المقاربة مع الموسيقى أعقبه الكثير، فإن العكس لم يظهر أي السعي المعاكس للموسيقيين للتوازي والتداني من الأنظمة الإيقاعية واللحنية للألوان، مع الموسيقي والمؤلف وقائد الاوركسترا المعروف بيار بوليز. يعترف بوليز صراحة بأن لوحات ونواظم تكوينات بول كلي علمته التأليف الموسيقي، فوضع كتاباً عام 1989 حول هذا التواصل السمعي - البصري. هذا الموسيقي يقف وراء تنظيم هذه المعارض الثلاثة متسلماً مسؤولية تنظيم معرض بروكسيل فهو"الكوميسير"أو المفوض المشرف عليه. تكشف كثافة الدراسات المتخصصة حول هذه المعارض الاحتفاء بفضل بول كلي على ميدان الموسيقى، خصوصاً التأثيرات التي أثارها بوليز نفسه من خلال حوارات مكتوبة وسواها وتخصيص الملفات النقدية الرحبة في أبرز المجلات الفنية حتى احتلت المناسبة مركز الاهتمام الثقافي التوليفي بين الميدانين. وأعيد نشر آراء بول كلي التربوية حول هذا الموضوع من خلال مناهج تدريسه للتواصل الطبيعي بين النواظم اللونية والنوتات الموسيقية في"مدرسة الباوهاوس". علماً بأن توأمه التوليفي الروسي كاندينسكي كان يشاركه في حصصه التدريسية الهاجس نفسه، وذلك لاعتباره أن"البعد الروحي في اللوحة هو نفسه البعد الموسيقى"بينما يرجع بول كلية النواظم التوحيدية بين الطرفين الى الأصول الطبيعية أو النشاط الكوني. نرجع الى مركز الاهتمام لتأمل مسيرة هذا الموسيقي وكيف تنامت توأميته مع تصاوير بول كلي. ابتدأ تعلق بوليز بالتصوير خلال دراسته للموسيقى في كونسرفاتوار باريس عام 1943. فبعد انجذابه الى النوطة اللونية التي كان يرصف لمساتها الانطباعي كلود مونيه بدأت تثير حساسيته العلاقة المتقابلة بين المصورين والموسيقيين المعروفين على غرار التوازي بين كاندينسكي وسترافينسكي أو بين موندريان وبيلابارتوك وعلاقة"مدرسة فيينا"الموسيقية شونبرغ وبرغ وبرين بالحركات التصويرية المعاصرة. يذكر هو نفسه أنه لم يكتشف أعمال بول كلي حتى 1975 في معرض عام، اجتاحه تأثيرها بقوة هائلة وتساقط اعجابه بسواه. كان ذلك بمناسبة معرض مدينة آفينيون في قصر البابوات الذي كان متمركزاً حول نجومية كل من بيكاسو وبراك وماتيس، أولئك الذين سيطروا على حركة التصوير لما بعد الحرب لدرجة كانت وفق رأيه تمنع رؤية ما عداهم، حتى بوغت بسلسلة لوحات صغيرة لبول كلي ومكونها الشعري المثير. وكان قبل ذلك ومنذ عام 1952 ألّف قطعة موسيقية بناء ? لا مستلهمة من لوحة بول كلي:"عمارة نصبية على حدود البلاد الخصبة". عثر بوليز في استخدام نظام رقعة الشطرنج في تكوينات كلي على مفتاح تقسيم الفراغ البصري - الصوتي الى نواظم شبه رياضية تتوازى فيها ترددات الألحان المتزامنة أو المتقاطعة بحيث تجرى مقابلة المكان التصويري بالزمان الموسيقي. يعترف الموسيقي بوليز بأن تعددية الأصوات في لوحات بول كلي - كما نرى في استخدامه نظام رقعة الشطرنج - أثرت في طرق تأليفه وقيادته للأوركسترا في نيويورك وشيكاغو. لا يمكن الإمساك بالنتيجة بفحوى هذه المعارض التوليفية الثلاثة الا اذا حاولنا جمع شتات وتنسيق تعليقات وأفكار الموسيقي بوليز، وهنا يظهر فضل موسيقي كبير في شيوع ما خفي من المختبر التصويري لبول كلي.