جذبت التجارب خارج الجسد "أوت سايد زي بودي اكسبيرينسس" Outside the Body Experiences اهتمام فريقين من العلماء الأوروبيين أخيراً، بعد أن ظلت ردحاً طويلاً حكراً على أفلام الرعب وخبراء الفلسفة وبعض المشتغلين في العلوم الدينية واختصاصيي علوم النَفْس وأمراضها. واكتشف الباحثون في بريطانياوسويسرا طُرُقاً لإرباك الإشارات الحسية التي يتلقاها الدماغ، والتي يتعرف بواسطتها الى ما يحيط به، بما في ذلك الزمن الذي يعيش فيه، بطريقة تجعل الأشخاص يحسّون بأنهم يقفون خارج جسدهم فكأنهم يتفرجون على أنفسهم. وبديهي القول إن ذلك لم يكن بأثر من عقاقير الهلوسة، مثل"ال اس دي"LSD، ولا الكوكايين ولا غيرهما من الأدوية التي تُغيّر الاحساس وتُثير الهلوسة وتطلق أعنّة الأخيلة والتهويمات. ونشر الفريقان بحوثهما في مجلة"ساينس"العلمية التي تنطق بلسان"الجمعية الأميركية لتقدم العلوم"أخيراً. وبحسب ما نُشر في تلك المجلة، بيّن الدكتور هنريك إيهرسون من"معهد طب الأعصاب"في جامعة"يونيفيرسيتي كولدج - لندن"انه اهتمّ بموضوع أن يرى الناس"أنفسهم"، فكأن شيئاً منهم"خرج"لينظر الى المحل الذي"كان موجوداً فيه". ووصف إيهرسون ذلك الاهتمام بالقول:"يهمني موضوع الشعور بأنّ النَفْس"كامنة"داخل الجسد المادي... وكذلك أن أعرف كيف"يَعْرِف"دماغي أنني أقف في هذه البقعة بالذات وفي هذه اللحظة تحديداً". وتالياً، ماذا يحدث للنَفْس إذا تمكّن أحد الأشخاص من"نقل"عينيه إلى بقعة أخرى من الغرفة ليراقب نَفْسه وكأنه ينظر إليها من منظار خارجي؟"أتتحرك النَفْس مع العيون أم تبقى داخل الجسد"؟ هكذا سأل إيهرسون نَفْسه، وسعى الى الاجابة من خلال تجارب علمية. وهكذا، وضع على رؤوس المتطوعين الجالسين في مقاعدهم أجهزة فيديو تسمح لهم بمشاهدة أنفسهم من الخلف بواسطة آلتي تصوير فيديو، واحدة لكل عين. خلال التجربة، وقف باحث وراء المتطوعين، بحيث يمدّ عصاً بلاستيكية في مجال نظرهم، تحت آلات التصوير، وفي الوقت ذاته يصوّب عصاً اخرى لا يستطيعون رؤيتها، باتجاه صدورهم ويلمسها. وأعلن المتطوعون انهم أحسوا بأنهم"يقفون وراء أجسادهم ويراقبون أنفسهم". ووجد عدد كبير منهم الشعور"غريباً وحقيقياً... ولكنه غير مُخيف". وفسّر إيهرسون الأمر بقوله:"لقد أحسّوا بأنّ مركز الوعي لديهم أو ربما"النَفْس" خارج أجسادهم المادية، لذا بدا لهم أنهم يشاهدون أجسادهم من منظار شخص آخر". وأضاف:"تتمثّل الفكرة الأساسية للتجربة بدراسة أثر التغيير في الصور المرئية على علاقتها بالمعلومات الحسيّة... إذ يسعى الدماغ دائماً إلى اختراق المعلومات الحسيّة. ويستطيع أن يخدع نَفْسه". وأجرى إيهرسون اختباراً ثانياً وضع خلاله مجسّات على جلود المتطوعين لقياس مرور التيار الكهربائي في اعصاب الحسّ، والذي يدلّ على رد الفعل العاطفي. وكرّر التجربة الموصوفة سابقاً، ولكنه جعلهم يشاهدون مطرقة تهوي على منطقة تحت آلة التصوير، كما لو كانت على وشك أن تؤذي جزءاً غير مرئي من الجسد الذي يرونه من الخارج. وسجّلت المجسات ردود فعل عاطفية كالخوف، ما يعني أنهم أحسوا بانتقال النَفْس من الجسد المباشر الى"الخارجي"الذي هوت عليه المطرقة. يمكن استخدام نتائج البحث في علم الأعصاب أو حتى في بعض الصناعات المتطورة، مثل تقنيات المُحاكاة الافتراضية في الكومبيوتر، كما استخلص إيهرسون. وفي تجربة متزامنة، استخدم فريق يرأسه أولاف بلانكه، الأستاذ في"مختبر الوظائف المعرفية للأعصاب"في جامعة"إيكول بوليتكنيك فيديرال"في لوزان، سويسرا، نظارات الكترونية تُظهر"الواقع الإفتراضي"Virtual Reality أمام أعين من يرتديها. وعُرض على المشاركين في الإختبار أن يروا تصويراً ثلاثي الأبعاد لأجسادهم أو لدمية أو لشيء موضوع أمامهم. وبعدها، عُرضت على أعينهم فرشاة تمرّ على الجهة الخلفية من الصورة، فيما يفرك أحدهم ظهور المشاركين إما بالتزامن مع الصورة أو في وقت مختلف. ثم تعصب أعين المشاركين وترجع ظهورهم إلى الخلف ويطلب إليهم أن يعودوا إلى وضعيتهم الأساسية. واتّخذ الذين فُركت ظهورهم بالتزامن مع الصور الإفتراضية الخاصة بهم أو للدمى البشرية، وضعية باتجاه الصورة. وفي المقابل، لم يتوصل الذين لم يروا الصورة أو الشيء الموضوع أمامهم، إلى فِعل ذلك الأمر. وبيّن بلانكه أن هدف تلك التجربة تمثّل في تحديد الدور الذي تلعبه الحواس في الوعي الشخصي. القسم العلمي - بالتعاون مع مركز الترجمة في "دار الحياة"