في صغرها طالما حلمت أغاثا كريستي بمشاهد أليفة من عالمها العائلي يتسلل اليها الرعب:"انظر الى وجه أمي وما هي سوى لحظات حتى أراه تحول مخيفاً". ولعل وشم تلك الأحلام ترك أثره العميق في نفسها، فلم تجد خلاصاً منه إلا عبر الكتابة وبالتحديد عبر 66 رواية و13 مجموعة من القصص القصيرة. مع صدور سيرة جديدة تتناول حياتها وأعمالها بقلم لورا طومسون عن دار"هيدلاين"استعادت سيدة"الجريمة والعقاب"مكان الصدارة في عالم النشر لمجرد وجود اسمها على غلاف الكتاب. وما من أحد سواها من أبناء جلدتها، عدا شكسبير، لم يبلغ صيته أقاصي الارض ولم تصل مؤلفاته الى بليوني قارئ في كل اللغات الحية. الاستقرار المريح الذي عرفته في الجنوب الانكليزي الدافئ نسبياً كان حصنها المنيع، خصوصاً بعد زواجها من آرشي كريستي ليلة عيد الميلاد سنة 1914. فلما اندلعت الحرب العالمية الأولى والتحق بسلاح الطيران أدركت أغاثا أن الخروج من استقبالات"شاي الساعة الخامسة"والسهرات الراقصة واحاديث النميمة الحميمة ومشكلات الخدم والعشاءات المؤلفة من سبعة أصناف لم تعد في لائحة حياتها، واستسلمت لواقعها الجديد بلا تذمر عاملة في أحد المستشفيات العسكرية. غير ان تجربتها هناك لم تكن محض نخوة وطنية بل دأبت أغاثا على تسجيل ملاحظات وخواطر حول ظروف الموت والسموم وأنواع الترياق، مما تبدى لاحقاً في أعمالها حيث سجلت حوالى ثمانين حادثة قتل بالتسمم، طليعتها في روايتها الأولى سنة 1920"علاقة سرية في ستايلز"وفيها تموت الضحية مغدورة بمزيج من البوتاسيوم والستريكنين. تميزت أعمالها منذ البداية بقدرة غير مسبوقة على خلخلة اقتناعات القارئ من طريق التفخيخ الذكي عبر حبكة لا تشي بشك ولا توحي بريبة، بل كأنما الحديث جار في أحد صالونات المرحلة المخضرمة بين الصرامة الفيكتورية والانفتاح الادواردي، وهو المناخ الثقافي - الاجتماعي الذي نشأت فيه أغاثا. وجاءت رواية"مصرع روجر آكرويد"سنة 1926 لتؤكد شجاعة كريستي في"خيانة"توقعات النقاد والقراء على السواء. والواقع ان تلك الرواية هي حجر الأساس الذي بنت عليه الكاتبة عالمها الحافل بكل ما في النفس البشرية من كوابيس وشهوات واحباطات وشرور. وقد أجمعت الدراسات التي تناولت اعمالها في نصف قرن مضى ان"مصرع روجر كرويد"قمة انتاجها على الإطلاق. سبب ذلك أن كريستي خالفت في هذه الرواية بديهيات الاشتباه المعهودة التي درجت عليها مسارات التحقيق في الجرائم حول العالم، ويرتكز معظمها على البحث المادي عن المستفيد من عملية القتل. هنا تورد كريستي عدداً لا بأس به ممن سيفون ديونهم، أو يحققون طموحاتهم، أو يرفعون شأنهم الاجتماعي، أو ينجون من الافلاس المحتم بعد رحيل السيد كرويد. وبفعل قوة تلك الدوافع ينجر القارئ الى دوامة الاسباب والنتائج غافلاً هوية من لا دافع له على سطح الأشياء، الى أن تفاجئنا في النهاية بإصابة عصفورين بعيدي المنال بحجر واحد: راوي القصة ومساعد المحقق المستقل هيركول بوارو، الدكتور جيمس شيبرد، ارتكب الجريمة لمجرّد البرهان على عجز بوارو عن كشفها، لا أكثر ولا أقل. وحين يجري بوارو جردته المعهودة خالصاً الى نتيجته الصاعقة ينهار شيبرد معترفاً بجربمته... وينتحر! وهنا يسقط العصفور الثاني إذ كانت كريستي تنوي التخلص نهائياً من شيبرد لاستبداله بشخصية اكثر فكاهة سرعان ما رافقت بوارو على مدى ثلاثين سنة ونيّف هي شخصية الكابتن هيستنغز، عبرها أرادت كريستي الغمز من قناة محدودية الروتين البوليسي. بعد الحرب انهار زواج أغاثا على أثر اعتراف آرشي بعلاقة مع امرأة أخرى. ومثلما فعلت بكوابيس طفولتها اذا بها تحول انكسار قلبها سلسلة روايات شاءت من خلالها أن تبرهن عن غياب الحقيقة في ظواهر الأمور. فما نراه ليس دائماً ما يجب أن نصدقه. ولذا جعلت بوارو يسجل الأشياء التي تبدو على الدوام غير مرتبطة بعضها ببعض ، ناهيك عن هزال علاقتها بصلب موضوع الجريمة. أما بطلتها الأخرى، مس ماربل، فكانت تلجأ الى اسلوب اختزال الاحتمالات. كأن تلك العانس المتزمتة تشطب في انتباه مبالغ به لائحة مشترياتها في السوبرماكت. وتستعير لورا طومسون مقاطع من مفكرة كريستي ذات دلالة واضحة على المشقة الابداعية التي مرّت بها كريستي لجعل نثرها سلساً وفي متناول القارئ العادي، بعيداً من المبالغات اللفظية والانشائية، متجرّداً من التأدب والأناقة مما كان سائداً في عصرها. وتبرهن طومسون ان كريستي انما وضعت روايات مس ماربل باسم مستعار هو ماري وستماكوت كي تعبر من خلالها عن تجربتها المرّة بعيد طلاقها من آرشي، وعن حبها الكبير لوالدتها، وتباعدها المؤثر عن ابنتها، وزواجها الثاني من عالم الآثار ماكس مالو الذي أثار شغفها بشغفه بالجثث والهياكل العظمية. الا ان طومسون تشطح بها المخيلة لدى محاولتها استشفاف الدوافع التي جعلت كريستي، في آخر العام 1926 تترك سيارتها على حافة مقلع في منطقة يوركشير وتتوارى عن الانظار طوال 11 يوماً مثيرة شكوك البوليس ان يكون آرشي قد قتلها، مما أهاج الصحافة وأحدث بلبلة اجتماعية باتت الاكثر شهرة وغموضاً في سيرة أغاثا التي"تجولت عبر الحدائق والغابات المشمسة لمخيلتها"وكانت مسكونة"بشعور ملأ روحها حتى الطفح"بحسب لورا طومسون.