لم يختر كمال كمال، المخرج القادم من مدينة بركان المغربية الشرقية، السهولة بالنسبة الى فيلمه المطول الثاني "السمفونية المغربية" . فلقد اختار أن يتبع حلمه إلى نهايته ويحاول تحقيقه، الأمر الذي ليس يسيراً لكون الحلم هو إخراج فني كبير لپ"سمفونية فيلهارمونية"وذلك عبر قناة الفن السابع. في الحقيقة كمال كمال هو مؤلف موسيقي قبل أن يلج عالم الإخراج، وسبق له أن أخرج الكثير من المقطوعات الموسيقية، وأخرج الكثير من الفيديو كليبات في بدايات تعامله مع الصورة، وبالتالي فقد اجتمع لدى الفنان الصورة والنغمة، وها هو يجرب فيلماً سينمائياً تطغى فيه الموسيقى من البداية حتى النهاية، وتشكل الخلفية الدرامية ومحرك الحكي في الوقت ذاته. لكننا لسنا أمام فيلم غنائي بالمعنى المتعارف عليه كلاسيكياً، ولكن إزاء فيلم يجاور ويحاور الموسيقى في شكل فني وإبداعي. والسؤال الذي يطرح عندها هو: من يمتح من الآخر، السينما أم الموسيقى؟ أي بمعنى آخر هل: اغتنت السينما بالموسيقى وتم إنقاذها في أجواء الفيلم؟ للإجابة لا بد من دراسة ما قدمه كمال كمال من دراما سينمائية في هذا الشريط وما طرحه من أفكار سينمائية، والكيفية التي نصب بها"سمفونيته"ليسرد حكايته. لكن يمكن القول بداية إن المخرج تخير موضوعاً أصيلاً وغير مسبوق، لكن هل نجح في المحاولة؟ حكاية "مشردين" رائعين لنرَ القصة. يتعلق الأمر بمجموعة من الأشخاص الهامشيين الذين يعيشون في مقبرة للقطارات المتهالكة. يقطنون في عربات قديمة ومهترئة تحيط بها جبال من الحديد الصدئ المتراكم. وتوجد في ضاحية الدار البيضاء بالقرب من أحد شواطئ المحيط الأطلسي. وهم ليسوا مجرد"شمكارا"أي مهمشين يعيشون على إدمان المخدرات أو المسكرات. نعم فيهم السكير والعربيد والمومس واللص والمهووس، يبدون مثل حثالات بشرية من دون أوهام ولا طموحات، لكن في الوقت ذاته يظهرون كأفراد عائلة واحدة يجمعهم حب الموسيقى. تشكل الموسيقى العنصر اللاحم بينهم كما تشكل الأمل الوحيد الذي فضل لهم لكي يحققوا شيئاً ذا بال بعد أن ضاعت منهم الحياة ولكي ينسوا جراحاتهم الدفينة السابقة. فالمهمش لا يكون كذلك من دون ماض مؤلم وقاسي. وهي حال بطل الفيلم. أستاذ الموسيقى والمناضل الثوري السابق الذي فقد ذراعه والذي لم يستطع التخلص من ذاكرته الثورية المدماة كفدائي في الفصيل الفلسطيني بلبنان إبان مجزرة صبرا وشاتيلا. فمخياله ومنامه ومعيشه تملأه صور وكوابيس العنف والقتل والدم والمجزرة. والى جانبه يقف المؤلف الموسيقي والمايسترو السابق والذي لم يتمكن من تحمل فقدان حياة دعة وألق سابقة. فكل واحد يعيش في مقبرة القطارات على ذكرى حدث أو شخص ما في زمن آخر يبدو أفضل وأحسن. وسيجدون خلاصهم لما سيتم اقتراح لعب سمفونية موسيقية حقيقية في قاعة"ألبرت هال"الشهيرة بلندن. ستكون فاتحة أمل وكوة ضوء يتلقفونها بحب وسيعملون على إنجاحها وسيراسلون مديرها. وبفضل الأمر سيتحولون من مجرد مهمشين إلى أشخاص عاديين يعملون على تحقيق تحدٍ حياتي مجدٍ وحقيقي، يصير مسألة موت أو حياة حتى. وحتى لما قوبل الطلب اللندني بالرفض استمر الحلم واستمرت الرغبة. فالفرصة أتيحت لكي يرفعوا من قيمة حياتهم ويرون في التحدي فرصة للثأر من البؤس والضياع، فالعجيب أنهم كلهم تلاميذ قدامى في المعهد الموسيقي بالدار البيضاء، هذا الصرح الفني العتيق الذي يطاوله النسيان. والمثير أن الوقائع تحصل في ديكور غير معهود تمت صيغ وبني في مقبرة كبيرة ومملوءة للقطارات التي تمت إعادة توظيفها واستغلالها فنياً. وهكذا نرى أن المخرج لم يوظف ويؤلف الموسيقى فقط بل قام بعمل تشكيلي من خلال توظيفه للمقبرة ومحتوياتها وإعادة ترتيبها وبنائها بحسب تصور شخصي، أي أنه قام بإعادة تشكيل للمادة الموجودة المتروكة والمهملة كما قد يفعل أي فنان تشكيلي. المهمشون يعيشون في مقطورات صارت مساكن ومنازل أعيد توظيفها. فعندما ستأتي مثلاً الفتاة الوحيدة الضائعة إلى عربة المناضل الثوري لتقطن برفقته ستقوم بترتيب محتوياتها محولة إياها من أنواع الحديد الصدئ إلى نوع من صالة عرض فنية. وهكذا تباعاً يمنح المخرج لهؤلاء المهمشين المتألقين حياة أخرى معادلة وثانية ما يجعلهم يعانقون مذاق الحياة من جديد. أي أنهم يبعثون من جديد. والحقيقة إن التشكيلية هنا تساهم إلى جانب المعطى الموسيقي كمتوازية حكائية ثانية. فالفيلم في آخر المطاف يبدو كما لو أن مخرجه كانت له نية خلق قطعة فنية حية متعددة وأصيلة. وقد أخذ مساحة كبيرة من الحرية في اختراقاته الفنية وهو أمر لا يمنحه سوى الفن السابع. وللتدليل على هذا نسوق مثالاً واحداً غنياً بالدلالات. ويتعلق بإعادة التوزيع الناجحة والقوية التي قام بها للأغاني الكلاسيكية المغربية المعروفة وخصوصاً مقطوعة فرقة جيل جيلالة الشهيرة" دارت بنا الدورة". وقد شكلت عند العرض في القاعات السينمائية مفاجأة جميلة، الشيء الذي أدى إلى نشر قرص خاص بها وتسويقه بنجاح. وجاء توظيف الموسيقى في قوالب صورية مبتدعة كلقطة صفحة النوتات الموسيقية التي تمت كتابتها بالشموع المضيئة ليلاً والموزعة على مساحة أرضية كبيرة. ولقطة الحلقات الدائرية الكبيرة لنيران يشعلها ممثل ليلاً، وهو يعدو راقصاً رقصة هندي أميركي، تباعاً في توازٍ مع موسيقى قوية وموحية. الحدوتة الدرامية أما"الحدوتة"فموجودة. وهذا هو المهم. فكمال كمال حاول إقحام تعابير فنية مختلفة لخلق مسار فيلمي ذي أهداف متعددة ومختلفة. وهو نجح في تأليفه الموسيقي وفي توظيفه التشكيلي للفضاء وفي التوزيع الجديد لأغانٍ قديمة، لكن هل نجح سينمائياً، أي هل وفق في تحقيق الأثر الدرامي للفيلم؟ الفيلم في حكايته يسرد علينا قصة مناضل بُترت يده في الحرب، لكنه سجين ذاكرته المؤلمة والهزيمة التي كسرت حياته الكثير من لقطات الفلاش باك تظهر أجواء حرب فدائية عنيفة وظلال الخروج من بيروت.... لكنه في الوقت نفسه يعيش صراعات يومية مع رفاقه في الهامش وفي الفرقة الموسيقية كالعازفة اليهودية على سبيل المثال والتي جعلت المخرج يقحم كلمة"التسامح"الواجب بين المسلمين واليهود! فخلال حوار حار بينهما يتم اعتبار الميت ميتاً ولا يحمل دينه في جثمانه عندما يقتل أو يموت!! لكن الحدوتة تقوم في الأصل في العلاقات الموجودة بينه وبين المؤلف الموسيقي والمايسترو ألا يمكن أن يكونا في الأصل شخصاً واحداً؟ لقد لاحظنا الثنائية الازدواجية نفسها في فيلم كمال كمال الأول الناطق باللغة العربية الفصحى"طيف نزار". العلاقة هذه هي التي تسير بالحكي وتطوره من خلال حلها لكل المشكلات التي تنشب ما بين أعضاء الفرقة والمشردين، وهما اللذان يقومان بتهييئ الأجواء لعزف السمفونية الكبرى المرتقبة. وهنا يقحم كمال كمال حدثاً جريئاً وغير مسبوق البتة. فقد جعل شخصية أميرة من الأسرة الحاكمة ترعى السمفونية وتحضر الحفل الأخير، فيظهرها آتية في موكب رسمي تحف به الدراجات النارية للمرافقين وارتدت لباساً تقليدياً متألقاً كما هو مألوف لدى الأميرات، وتستقبل في مدخل مقبرة القطارات التي تحولت إلى قاعة أوبرا مفتوحة في الهواء الطلق، بجوقة الشرف الموسيقية الرسمية! لكن الأحداث تتوالى طيلة زمن الفيلم أحياناً في الشكل الواقعي المقبول وأحياناً أخرى بغير ذلك. ففي البداية التقديمية للشخوص تم التعرف إليهم كمشردين من خلال لباسهم ومظهرهم الخارجي وليس بتقديم الفضاء العام، وهو ما حدث في ما بعد فقط. كما أن وقائع معينة فقدت شيئاً من حدتها المرجوة كهرب الراقصة المومس الفاتنة ومحاولتها الانتحار من على الصخر عند البحر، أو وقيعة سرقة الأكورديون من محل آلات موسيقية إشارة ذكية تجاه أحد المحلات النادرة لهذا النوع من التجارة الفنية النقية والتي تنقرض تدريجاً من الدار البيضاء.... لكن هذا لا ينقص من قوة وقيمة الشريط الذي بدا جليا أنه عانى من نقص الإمكانات ومن قلة الوقت اللازم للتصوير المكتمل. وقد أنقذه في الحقيقية الأداء المتميز المحترف الذي قدمه عدد من الممثلين المعروفين المخضرمين منهم والجدد على حد سواء: مولاي عبدالله العمراني برصيده الفني الكبير، والنجوم حقاً: يونس ميكري صاحب رائعة الأغاني"ليلي طويل"بقدرته على حمل مأساة مناضل سابق وعكسها صورياً، وخالد بنشكرة بلعبه الجدي والمتأني والمعبر، والشابين المقتدرين رفيق بوبكر وعزيز حطاب، والمتألقة ماجدولين... فقد قدموا لعباً حيوياً ومنخرطاً في شكل كبير في الأجواء التي خلقها المخرج كمال كمال. وكان واضحاً أنه استطاع تطويع إمكاناتهم التشخيصية لكي يلينوا لحلمه السينمائي الموسيقي التشكيلي.