مرحلة جديدة حقا تبدأ مع سحب القوات السورية من لبنان، ولكنها لا تعني بالضرورة صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وفي سياسة دمشق الخارجية بوجه عام. فقد اُتخذ قرار الانسحاب العسكري تحت ضغط شديد وفي ظل أزمة حادة. ولم يكن في إمكان دمشق، وقد أوشك مجال المناورة أمامها على التلاشي، أن تراهن على عبور أزمة بهذا الحجم مع إبقاء قواتها في لبنان. كما كان الدرس العراقي ماثلا أمامها بالرغم من الاختلاف الشديد بين أزمتي 90- 1991 و 2004- 2005، والفرق الكبير بين صدام حسين وبشار الأسد، فعندما قال بشار لمجلة"تايم"، في عددها الذي صدر في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري"أنا لست صدام"كان على حق. ولا يقل أهمية عن ذلك أن النظام السوري ليس مستهدفا الآن، وإنما دور سورية الإقليمي. ولكن عناداً سورياً في الانسحاب يمكن أن يعجل باستهداف النظام. فليس ثمة تفكير في واشنطن الآن في أن تكون سورية هي الدولة التاسعة عشرة التي تقوم الولاياتالمتحدة بإعادة بنائها بشكل كامل منذ أن غزت الفلبين في العام 1899 . فالمشروع الأميركي في آخر دولتين فعلت فيهما ذلك أفغانستانوالعراق متعثر ومكلف للغاية. ولكن تحجيم دور سورية الإقليمي يكتسب في واشنطن أهمية قصوى لا تقل عن تلك التي حظي بها إسقاط النظام العراقي اعتباراً من العام 2002، وقد وفرت أزمة الوجود السوري في لبنان فرصة تاريخية لواشنطن للسعي إلى تحقيق هذا الهدف، وأتاحت لها خيارين بديلين وليس خياراً واحداً. أولهما العمل العسكري الذي كان الوجود السوري في لبنان يبقيه مطروحاً ولكن في مرحلة تالية وليس في المرحلة الراهنة. أما الخيار الثاني، والذي راهنت عليه واشنطن وشجعته، فهو أن تتطور انتفاضة رافضي الوجود السوري إلى"ثورة أرز"تكون هي الحلقة الثالثة للثورتين الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا. ومن شأن انتقاضة ترغم سورية على الخروج أن يضعف دورها الإقليمي ومكانتها بأكثر مما تؤدي إليه ضربة أميركية. كما أن خروجها في مثل هذا الظرف لابد أن يحدث تغييرا في ميزان القوى اللبناني في مصلحة القوى المعارضة لها. وهكذا جاء قرار الانسحاب انقاذاً لسورية من نفق مظلم أوشكت على الانزلاق فيه. غير أن هذا لا يمنع انزلاقها، والمنطقة معها، إلى نفق لا يقل إظلاماً إذا لم يقترن بمراجعة جوهرية للسياسة التي أدت إلى نشوب الأزمة وتعاظمها. وفي غياب أي مؤشر حتى الآن على مثل هذه المراجعة، يبدو خطر الانزلاق في نفق مظلم آخر وارداً. فخطاب الرئيس بشار الأسد، الذي حمل بشرى الانسحاب، تضمن في الوقت نفسه ما يثير القلق في شأن طريقة تعاطي سورية مع الوضع اللبناني في الفترة المقبلة. فالخطاب، إذا قرئ من هذه الزاوية، يثير أسئلة يمكن أن تفتح باب النفق المظلم الجديد إذا لم تحدث مراجعة جادة للسياسة السورية. ومن بين هذه الأسئلة، مثلا، ما الذي يعنيه القول إن انسحاب سورية يجعلها أكثر حرية وأكثر انطلاقا بالتعامل مع لبنان؟ وما الذي يعنيه استدعاء خطاب تخوين قوى لبنانية واتهامها بأنها تمد يدها إلى الخارج والتحريض ضدها بدعوى أنها تريد"17 آيار جديد يلوح في الأفق"وإعلان الاستعداد لمعركة إسقاطه؟ ألا ينبغي أن يثير ذلك خوفاً على لبنان، وعلى سورية والمنطقة، إذا بنت دمشق سياستها في الفترة القصيرة المقبلة على أن البديل عن وجود قواتها هو تحريض قوى موالية لها على خوض معركة داخلية مفتوحة ضد معارضيها. والخوف، هنا، ليس من تحرك سلمي أيا يكن مداه، ولكن مما هو أبعد من ذلك. وربما يغذي هذا الخوف غموض الكلام عن أن انسحاب سورية يجعلها أكثر حرية وانطلاقا بالتعامل مع لبنان. هذا الخوف يستحق أن يُبدد. ولا سبيل لذلك إلا عبر مراجعة تقوم بها دمشق لسياستها الإقليمية بوجه عام من أجل إعادة بناء دورها على أسس أقوى. هذه المراجعة تفتح أمام دمشق آفاقا أوسع يتراجع في ضوئها التوجه الذي يرمي إلى استخدام وسائل أخرى في الضغط على لبنان مثل تحريض أنصارها ضد معارضيها على نحو قد لا يؤدي سوى إلى وضع لبنان تحت وصاية دولية. والمفترض أن تقود هذه المراجعة إلى تغيير ثلاثي الأبعاد على النحو الآتي: - أولاً: فتح صفحة جديدة مع لبنان والتعاطي مع قواه السياسية والاجتماعية كلها باعتبارها قوى وطنية تحمل اجتهادات ورؤى مختلفة، والكف بالتالي عن تخوين من تختلف معهم والتحريض ضدهم. فالأجدى لدمشق هو أن تحاول استعادة قلوب قسم كبير في الشعب اللبناني فقدته بسبب إصرارها على التمديد للرئيس لحود، ثم تكرس نفوره تجاهها بعد اغتيال الرئيس الحريري. وعندئذ، ربما تجد أنها بالغت في تقدير حجم الفجوة التي تفصلها عن القوى المعارضة لها، أو معظمها على الأقل. فعلى سبيل المثال، لا يوجد مثل هذه الفجوة في قضية التوطين التي أعطاها الرئيس الأسد أهمية كبرى في خطاب إعلان الانسحاب. فمعظم القوى التي وقفت ضد الوجود السوري في لبنان لا مصلحة لها في توطين يلحق ضررا بقسم كبير منها لأنه يؤدي إلى تغيير في التوازن السكاني. - ثانياً: إعادة النظر في سياسة سورية الإقليمية التي اعتمدت لفترة طويلة على ما يمكن أن نسميه"جمع الأوراق"وتوظيفها أو الاحتفاظ بها لاستخدامها عند الحاجة. فلم يعد مسموحا لدمشق أن تواصل هذا النهج. ولكن الأهم هو أنه بات نهجا خطرا عليها في ظل متغيرات ما بعد 11 أيلول والحرب على العراق. فالورقة التي تمثل رصيداً للسياسة السورية الآن يجوز أن تنقلب غدا عبئا عليها أو مدخلا لاستهدافها. وكانت هذه هي حال الورقة اللبنانية في الأيام الماضية. وكذلك ستكون هي حال الأوراق الفلسطينية التي لدى دمشق في الفترة المقبلة. ولذلك فالأجدى لدمشق هو أن تعمل جدياً لتطوير النظام الإقليمي العربي بالتوافق مع السعودية ومصر. - ثالثاً: التفات سورية إلى نفسها لإصلاح أوضاعها واستئناف"ربيع دمشق"الذي داهمه خريف مبكر جدا قبل أن يتفتح أي ورد. ومثل هذا الإصلاح يدعم دور سورية الإقليمي بأكثر مما يمكن لسياستها الخارجية أن تفعل. إن مراجعة من هذا النوع تزيل الاحتقان الذي يلهب المشاعر ويزيد البغضاء. وعندئذ فقط تكون سورية فتحت صفحة جديدة مع لبنان يربح فيها البلدان ومعهما العرب والأوروبيون، ولا يخسر إلا إسرائيل وصقور"المحافظين الجدد"الذين يبحثون عن ذرائع لخنق سورية ودورها الإقليمي. كاتب مصري.