قد يبدو الأمر أشبه ب"المزحة"للوهلة الأولى: ماذا يعني أن يأخذ كاتب نصّاً لكاتب آخر ويعيد كتابته ثم يوقّعه باسمه وكأنّه صاحبه الأول والأخير؟ إلا أنّ مَن يقرأ النصوص التي تضمّنها العدد الثاني من كتاب REMIX"رميكس"قد يكتشف أنّ هذه"اللعبة"ليست مجرّد"صرعة"فرنسية او غربية جديدة، فبعض الكتّاب الذين مضوا فيها هم من خيرة الكتّاب الفرنسيين الجدد، وبعض النصوص أو القصص استطاعت فعلاً أن تضاهي النص - الأصل الذي انطلقت منه واقتبسته وأن تتخطاه في أحيان. لكنّ السؤال الذي يظلّ مطروحاً هو: من صاحب النصّ الحقيقي، الكاتب الأول أم الكاتب الثاني او المقتبس؟ ثمّ ماذا عن فكرة النص التي تكون دوماً بمثابة الشرارة الأولى التي تنبثق من قلب النصّ نفسه؟ هل تصبح أيضاً ملك مَن"يسطو"عليها؟ قد تكون هذه الظاهرة التي بادرت إليها احدى الدور الفرنسية العريقة دار هاشيت - آداب ذات طابع تجريبيّ صرف، غايتها البحث عن آفاق جديدة وغير مألوفة للكتابة أولاً في ما تحمل من معايير وأسس، ثمّ للنصّ الأدبي كنصّ قابل للتحرّر من وطأة الثبات والرسوخ والاكتمال. فالاقتباس هذا الذي يطيح بصاحب النص الأصل قد يعني أن كلّ نصّ عرضة للانتهاك والتقويض، على أن يعاد بناؤه انطلاقاً من"انقاضه". وهذا الاقتباس - كما افترضته الدار، صاحبة المشروع - يختلف تماماً عن"السرقة"والانتحال، كونه يتمّ علانية وفي طريقة مفضوحة جداً. فالكاتب الذي يقتبس النصّ الأصل ينطلق من مفاتيح هذا النص ومن فكرته - إن جاز التعبير - وأحياناً من وقيعته الرئيسة أو أحداثه وشخصياته، محافظاً في أحيان على اطاره الزمني وربما المكاني. ويختلف هذا الاقتباس أيضاً عما يسمى"تناصاً"أو"نصية"أو"تناصصاً"كونه فعلاً مقصوداً ولكن في منأى عن"الصراع"بين النص الأول والنص الثاني المقتبس، سواء كان هذا الصراع مضمراً أم معلناً. إلا أن النص الثاني سيحاور حتماً النص الأول بل سيفكّكه ويبعثره ليصوغه مرّة أخرى ويبنيه وفق رؤية أخرى ومزاج آخر. يظلّ النص الأول هو"المرجع"فيما النص الثاني هو"الصدى"الذي قد يفوق احياناً مرجعه من غير هوادة، شرط أن يكون الكاتب"المقتبس"أشدّ براعة من الكاتب الأول. هكذا قد يكون نص الكاتب الفرنسي الكبير فيليب دجيان الذي اقتبسه عن نص - أصل عنوانه: سكرتيرة مهجورة للكاتب ريجيس جوفريه أهم من مرجعه ولو بدا كأنّه يكرره - ظاهراً - قالباً لعبة السرد رأساً على عقب. وقد يُعجب القارئ بما يُسمى"تواضع"كاتب في حجم فيليب دجيان الذي يصنّف في طليعة الروائيين الفرنسيين الجدد، هذا"التواضع"الذي جعله يوافق على أن يكون كاتباً ثانياً لنصّ أول يقلّ صاحبه عنه، قدرة ومهارة وشهرة. وقد لا يحصل في عالمنا العربي أن يوافق كاتب كبير أو شاعر رائد على النزول من عليائه ليمضي في مغامرة مماثلة. فمفهوم"الطبقة"الأدبية في العالم العربي يحول دوماً دون اختلاط الأدباء جيلاً بجيل خصوصاً إذا كان الاختلاف بين الجيلين خلافاً في الرؤية والأسلوب وسواهما. قد لا تكون هذه"الظاهرة"لنسمّها ظاهرة الاقتباس جديدة تماماً في تاريخ الأدب العالمي والعربي. ونظرية"التناص"التي رسختها الناقدة الفرنسية جوليا كريستيغا في آخر الستينات لم تأتِ من عدم. ويكفي أن نتذكّر كم من نص مسرحي مثلاً انطلق من مسرحية"انطيغون"للكاتب الاغريقي سوفوكليس! ويكفي أيضاً أن نتذكّر كيف كتب فيرجيل نصه الملحمي"الانياذة"انطلاقاً من نص هوميروس أو كيف اختار جيمس جويس شخصية"عوليس"من ملحمة هوميروس أيضاً الأوديسيه ليرسم له مغامرة أخرى ومختلفة تمام الاختلاف عن مثيله الاغريقي. الأمثلة كثيرة في هذا الصدد وهي أكثر من أن تحصى! وفي الأدب العربي يكفي ذكر شخصية مثل"شهرزاد"أو"ليلى"وسواهما حتى يتوضح فعل"الاقتباس"أو"التناص"وربما"الانتحال"المعلن عبر سيل من النصوص استعادت مثل هذه الشخصيات وحكاياتها. وان لم تكن ظاهرة"الاقتباس"هذه جديدة في تاريخ الأدب فهي هنا، تحمل سمات تميّزها عن الظواهر الأخرى، وأولى هذه السمات الطابع التجريبيّ الذي يجعل من فعل الكتابة"الاقتباسية"فعلاً مقصوداً ومنتظماً وقائماً على قاعدة ما، تختلف بين كاتب وآخر. والدار التي لم تسع الى"التنظير"المسهب لهذا المشروع، فاسحة المجال أمام الكتّاب نفسهم ليصنعوا نصوصهم، قدّمت الكتاب الأول والثاني بإيضاح مختصر لما سمّته"مبدأ"اللعبة وهو ينص على أن يقوم ثلاثة كتّاب بإعادة كتابة قصة واحدة في ثلاث صيغ. أما عدد القصص التي أعيدت كتابتها في الجزء الثاني من الكتاب - المجلّة فهي خمس ما يجعل عدد القصص في الختام عشرين"نصّاً"بحسب التقديم. وتصف الدار المشروع في كونه مواجهة بين الكتّاب و"معركة"بين الأجيال واكتشافاً لحوافز المتخيل. وتقول الدار إن كتاب"رميكس"هو أكثر من مجموعة قصص جماعية، انه اقتباس أدبي للطريقة البارزة الآن في"الهيب - هوب"والموسيقى الالكترونية:"ال"رميكس". وهذه الكلمة تعني في التقنيات الموسيقية"اعادة مكسجة دمج"للألحان والأغنيات في طريقة مبتكرة وحديثة، يحضر خلالها ابداع المؤلف الأوّل ويغيب في الحين نفسه. وقد لا يعني القارئ هنا سوى المعنى المأخوذ من هذه الكلمة الرائجة في عالم الموسيقى اليوم، فالصنيع الأدبي يختلف في التطبيق عن الصنيع الموسيقيّ الذي ينحرف كثيراً عن الأصل الذي انطلق منه، فيما الانحراف داخل النص الأدبي يظلّ مضبوطاً نظراً الى مبدأ الكتابة نفسها، القائمة في الزمن والمكان. وقد تكون قصة"قبل الحمّام"للكاتب الألباني اسماعيل كاداريه أو قدري وقد اعتمدت نصاً - أصلا،ً من أجمل قصص المجموعة، وهي ذات طابع تجريبيّ قبل أن تتحول مادة تجريبية تحت أقلام الكتّاب الذين اقتبسوها. فالقصة تدور حول محور واحد يتكرر مرة تلو أخرى، وتحمل انطلاقاً من هذا التكرار بدايات عدّة هي بمثابة بداية واحدة. لكن النهاية ستكون واحدة في ختام القصة وهي الموت الحقيقي ل"البطل"الذي سيجعله الكاتب قريناً للبطل الاغريقي آغاممنون الذي قتلته زوجته طعناً في المغطس داخل الحمام. يكرر الكاتب الألباني مفتتح القصّة أكثر من مرة جاعلاً"البطل"يستعدّ للنزول في المغطس المملوء ماءً ساخناً وكلما وضع قدمه في المغطس التفت الى زوجته التي تحمل المنشفة وتحتها آلة معدناً لم يكن ليعرف تماماً ما هي. فالأمر اختلف عليه بعد عودته، هو الذي افتقد كثيراً مغطس الماء الساخن. وإذا عدنا الى النصوص التي اقتبسها الكتّاب الثلاثة من هذه القصة لوجدناها تختلف عنها وتشبهها في آن واحد. الكاتب ماثيو ريبوليه أخذ عن القصة - الأصل فعل القتل الدم وشخصية المرأة القاتلة ماري وكذلك البنية القائمة على تكرار البداية أو المفتتح. أما الكاتب الثاني فينسان بروكفيال فاختار"الحمّام"حيّزاً شاملاً للقصة التي اقتبسها ويستخدم كلمة"حمّام"حرفياً بالفرنسية واصفاً أجواء الحمام العام وبعض زبائنه مع بعض اللمسات الأروسية. الكاتبة صوفي أبير تقتبس القصة بطرافة شديدة: المغطس لديها يتحول وعاء أو كاسيرولا والبطل يصبح سرطان بحر، أما الزوجة فتصبح المرأة التي تحاول أن ترمي الحيوان البحري في الماء الساخن... في قصة"إيمان القاتل"للكاتب المعروف يان كيفيلك الفائز بجائزة"غونكور"الشهيرة يركّز السرد على صورة"البطل"وهو يفتح باب البيت بعد خمس سنوات غياباً. هذه المسألة، مسألة فتح الباب بعد غياب أو العودة الى البيت، سيعتمدها الكتّاب الثلاثة الذين اقتبسوا القصة وصاغوها كلّ على طريقته. وستحضر في القصص أيضاً شخصية المرأة التي تدعى"دورا". أما أطرف هذه القصص فتلك التي كتبها دافيد فونكينوس جاعلاً من يان كيفيلك صاحب القصة - الأصل راوياً كأن يقول على لسانه:"أُدعى يان كيفيلك، حزت جائزة غونكور في العام 1985 وزوجتي جميلة جداً...". ترى هل يمكن اعتبار هذه التجربة سليمة في المفهوم الابداعي؟ وماذا تمثل في جوهرها؟ هل هي ردّ على أزمة ما في الكتابة أم أنّها مجرد نزق أدبي أو"صرعة"تشبه الصرعات الكثيرة التي طالما عرفها الغرب واتسمت بجرأة واضحة؟ هل هو مبدأ"الاستنساخ"مطبّقاً على النص الأدبي؟ هذه الأسئلة تراود قارئ هذه النصوص"المتناسلة"من ثلاثة نصوص أصلية. انها نصوص تجاهر ب"السرقة"التي قام بها أصحابها بل هي قائمة على"السرقة"ولكن بعد أن تبريرها مضفية عليها طابعاً شرعياً. نصوص تنحرف عن النصوص الأصلية، تتصارع معها، تنقضها وتكمّلها في وقت واحد. واللافت، بل المثير في مثل هذه التجربة، أن النصوص"المستنسخة"يمكنها أن تقوم بذاتها لا كنصوص"مقتبسة"فحسب، ويمكن الكتّاب الذين أدّوا هذه اللعبة أن يواصلوها عبر نصوص أخرى، حتى يتوافر لديهم كتاب بكامله. قد يفتح مثل هذا المشروع الأبواب المغلقة على تجارب كثيرة قابلة لأن تخاض لا على مستوى الكتابة القصصية والنصّية فقط، وانما على مستوى الابداع الشعري والروائي حيث يبدو"الاقتباس"أوسع أفقاً! ولكن في الختام لا بدّ من طرح سؤال: هل تستطيع مثل هذه النصوص الصمود تاريخياً أم أنها عرضة للزوال لدى هبوب أوّل عاصفة؟