قبل اسبوع من الموعد المرتقب لتقديم استقالة الحكومة ينشط رئيسها رفيق الحريري لدى المرجعيات والقوى السياسية في محاولة للملمة التداعيات المترتبة على التمديد لرئيس الجمهورية اميل لحود كأساس للبحث في امكان تشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها جميع القوى المنخرطة تحت سقف اتفاق الطائف تكون قادرة على مواجهة التحديات، خصوصاً تلك التي ينتظرها لبنان جراء التقرير الذي سيرفعه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان الى مجلس الأمن الدولي حول آلية تطبيق القرار الرقم 1559. وعلى رغم ان لقاء الحريري ورئيس المجلس النيابي نبيه بري يأتي في اطار كسر الجليد وإعادة تطبيع العلاقة بينهما اسوة باجتماعه مع وزير الصحة سليمان فرنجية، فإن مشاوراته التي بدأها مع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير ورئيس اللقاء النيابي الديموقراطي وليد جنبلاط وستشمل لاحقاً "لقاء قرنة شهوان" المعارض، سيكون لها تأثير مباشر في التركيبة الوزارية العتيدة في حال اريد لها ان تضم ممثلين عن معظم الأطراف الفاعلة لتحمل اسم حكومة الوفاق الوطني فعلاً لا قولاً". وفي هذا السياق علمت "الحياة" ان الحريري الذي كان تلقى اشارات ايجابية في خلال اجتماعه مع الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد الأسبوع الماضي اخذ في المقابل على عاتقه الانفتاح على قوى المعارضة للبحث معها في امكان الانضمام الى حكومة وفاق وطني تؤمن اوسع مشاركة سياسية تتجاوز من حيث التمثيل "اهل البيت" الذين ايدوا التمديد الى القوى المناوئة له. وبحسب المعلومات فإن اجتماع صفير - الحريري لم ينته الى نتائج وقد يحتاج الى لقاءات اخرى تفسح في المجال امام الأول ليفرغ كل ما في جعبته من ملاحظات ومآخذ ومطالب ومواقف خصوصاً انه كان مستمعاً في اكثر الأحيان. وذكرت مصادر سياسية ل"الحياة" ان لقاء صفير - الحريري لا يهدف الى الالتفاف على الحركة التي بدأها الرئيس اميل لحود في اتجاه بكركي بل ان الحريري يرغب في الاستئناس برأي بكركي ازاء التطورات المستجدة في لبنان. ولم يبد صفير بحسب المصادر نفسها اي استعداد للعودة عن موقفه المبدئي من تعديل الدستور الذي اجاز التمديد للحود، لكنه في المقابل يتعاطى معه كأمر واقع ولا يبدي اي استعداد لمقاتلته من خلال النزول الى الشارع نظراً الى ما يترتب عليه من مضاعفات امنية وسياسية يعتبر نفسه في غنى عنها، وتخدم التطرف لا سيما اذا ما حالت الضوابط دون السيطرة على الأرض. ولفتت الى ان البطريرك صفير لا يراهن كذلك على العوامل الخارجية او على القوى الإقليمية والدولية التي كانت وراء استصدار القرار الرقم 1559 عن مجلس الأمن الدولي وذلك انطلاقاً من تقديره لدقة الموقف الداخلي، لكنه يعتقد بأن الأوان آن للعودة الى تطبيق الدستور والالتزام بحرفية النصوص الواردة في اتفاق الطائف وتحديداً لجهة تنقية الشوائب الناجمة عن سوء تطبيقه. وأضافت ان البطريرك صفير كغيره لا يستطيع ان يرفض الدعوة الى تأليف حكومة وفاق وطني لكنه يسأل عن وظيفتها والمهمات التي ستوكل إليها، وما اذا كانت قادرة على تصحيح الأوضاع خصوصاً ان البلد اصيب بانتكاسة تلو الأخرى بسبب غلبة "اللون الواحد" على الحكومات السابقة. مشيرة الى عدم وجود مطالب مسيحية لدى بكركي، بذريعة ان ما تطالب به يعبر عن القواسم المشتركة عند غالبية اللبنانيين. وأوضحت ان بكركي تريد ان تستوضح ما هو المقصود بتشكيل حكومة استيعابية خوفاً من ان يكون الهدف محصوراً بجمع اكبر عدد من القوى في حكومة واحدة من دون ان تحدد وظيفتها ودورها. مؤكدة ان مجرد العودة الى تطبيق الدستور يعني ان المشكلة وضعته على السكة لبلوغ الحلول المنشودة لها. وإذ أشارت المصادر الى ان بكركي تفضل عدم الدخول في تسمية هذا الوزير او ذاك، قالت اوساط رسمية انه يمكن انتقاء الأسماء التي يرتاح إليها البطريرك صفير إنما شرط الاتفاق على العناوين الرئيسة وأبرزها الإسراع في إقفال ملف المهجرين، ووضع قانون انتخاب عادل يساوي بين الجميع ولا يميز منطقة عن اخرى او فريق عن الآخر، اضافة الى تحسين الشروط الخاصة بسجن الدكتور سمير جعجع وإيجاد ناظم للعلاقات اللبنانية - السورية يدعو دمشق الى الاطمئنان ولا يشغل بالها من ناحية ويريح اللبنانيين بالحد من التدخلات السورية في تفاصيلهم اليومية من جهة ثانية. كما أشارت الى ان البطريرك صفير يلتقي مع جنبلاط على كثير من النقاط، لكنه قد لا يجاريه في موقفه في الطعن بشرعية رئيس الجمهورية. لذلك فإن البحث بين البطريرك صفير والحريري لا يزال في اول الطريق، وأن تطويره من اجل التوصل الى نتائج ملموسة، يستدعي، بحسب المصادر، توفير الدعم للأخير واشعاره بأن مهمته وإن كانت صعبة فهي ليست مستحيلة، وأن في مقدوره الحل والربط ما دامت حركته السياسية تلقى تأييداً سورياً. واللافت ان حركة الحريري صوب بكركي ستتلازم هذه المرة مع بدء الاستعداد لعقد اجتماع بينه وبين اعضاء في "لقاء قرنة شهوان"، يفترض ان يتقرر موعده في اليومين المقبلين بعدما ابدى الحريري استعداده وهو ينتظر القرار النهائي الذي ستتخذه اليوم امانة السر في "لقاء قرنة شهوان". ويتوقع ان يصب لقاء الحريري - القرنة في اطار تحصين موقف البطريرك صفير وعدم إشعار المعارضة بأن هناك من يخطط لينتزع منها ورقة بكركي او وضع الأخيرة في اجواء ان هناك من يتطلع الى اضعافها بعقد صفقة منفردة مع القرنة. وبالنسبة الى جنبلاط الذي لا يزال يتواصل مع الحريري وكان التقاه امس، فإن البحث يدور على خط إعادة ترميم علاقته بدمشق بعدما نجحت الجهود التي قام بها الحريري والأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصر الله في وقف امتداد النار السياسية لتقضي على اي فرصة لتنقية الأجواء بينهما. وفي هذا الخصوص استبعد وزير بارز ان تكون مساعي التهدئة نجحت في تحضير الأجواء لعقد لقاء بين جنبلاط وكبار المسؤولين السوريين، وقال ل"الحياة" ان تطوير الهدنة لضمان استئناف التواصل بين الطرفين يحتاج الى بذل جهود غير اعتيادية، وأن مهمة نصر الله على هذا الصعيد تعتبر اساسية وتحتاج الى ملاحقة مباشرة منه يمكن ان تثمر في استعجال اللقاء الذي يفترض ان يسهم في إعادة ترميم العلاقة. ورداً على سؤال قال الوزير ان جنبلاط ليس في وارد الاشتراك في الحكومة، ورأى البديل بتوزير شخصيات درزية غير قريبة منه وإنما لا تشكل استفزازاً له في محاولة للإبقاء على جسور التواصل قائمة، لكن تصعب الإجابة هنا عما اذا كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي سيدخل مع الحكومة الجديدة في مهادنة ام انه سيواصل حملاته السياسية ليكون في مقدوره استثمارها في الانتخابات النيابية المقبلة. ويمكن القول ان مهمة الحريري صعبة لكنها ليست مستحيلة إلا اذا كان هناك من يخطط لإحراجه تمهيداً لإخراجه من السلطة. لأن قيام حكومة وحدة وطنية يتطلب الكثير من الدعم لتكون بمثابة محطة للانتقال بالبلد الى مرحلة سياسية جديدة، خصوصاً ان الحريري يواصل مشاوراته متسلحاً بالصبر والصمت عله يتمكن من التغلب على المعضلات السياسية التي تواجهه.