الفرنسيون كما غيرهم من الشعوب كانوا كأنهم نسوا مرض السيدا وأخطاره المهددة او اعتادوا على وجوده بينهم، فما عاد يشغلهم ولا عادوا يأبهون به. ولكنه عاد منذ اسبوع يشغلهم ويملأ حواراتهم. ففي العيد العاشر للSidaction، الحركة الفرنسية الأولى ضد السيدا، اجتمعت كل التلفزيونات الفرنسية وغيرها من وسائل الإعلام، في حملة ضخمة لمحاربة المرض، والتوعية، وجمع المال لمساعدة المرضى ومتابعة الأبحاث لإيجاد دواء يشفي من السيدا. لا احد في فرنسا يشك في ان الباحثين سيجدون الدواء. ورسالة وسائل الإعلام واضحة في هذا الخصوص: "اكتشاف دواء يشفي من مرض السيدا مسألة وقت ومال". لذلك خصص رقم خاص لجمع الأموال، تداولته ألسن كل النجوم والممثلين والمقدمين والصحافيين منذ بضعة ايام. والنتيجة مئات آلاف من اليورو يتبرّع بها يومياً الشعب الفرنسي لمحاربة المرض الذي عاد فجأة ليصبح حديث المجتمع الأول. وإن كان علاج المرض لا يزال مجهولاً، فهناك الوقاية التي تتجسد في فرنسا بالواقي الذكري، فلا احد ينصح بالإخلاص لشريك واحد مثلاً او يتهم الحرية الجنسية، فهي في حياة الفرنسيين اشبه بفولكلور، لذلك يسهل التكلم عن مرض السيدا في فرنسا، بغض النظر عن الحرية الجنسية التي تتسبب بإصابة ستة آلاف شخص سنوياً بالمرض. الحرية الجنسية إذاً هي المشكلة وهي الحل نوعاً ما. نجوم السينما والتلفزيون يتكلمون عن الجنس براحة وبطريقة مباشرة. وبعضهم يفعل اكثر من ذلك، فقد قبّلت ممثلة فرنسية معروفة رجلاً مصاباً بالسيدا على فمه، لتثبت للمشاهدين ان لا خطر في ذلك. ووضع مغنٍ معروف واقياً ذكرياً على رأسه. ثم جاءت فكرة تقوم على تحويل الواقي الذكري من مفهومه الطبي الى مفهوم تجاري. من الصيدليات حصراً الى محلات السمانة وأنفاق المترو. ففي كل مخرج للمترو موزع للواقيات الذكرية، وبات يباع بكل الألوان والنكهات: فريز، شوكولا، الخ وبات له إعلانه الخاص في التلفزيون. تحويل الواقي الذكري من "دواء" الى سلعة تجارية سياسة تهدف الى حماية الشعب الفرنسي من السيدا. ولكن نجاح الخطة هذه موضوع آخر. فعلى رغم انتشار الواقي في كل مكان، وانخفاض ثمنه، وسهولة استعماله وفاعليته، يبقى غير مرغوب فيه، ويبقى مرض السيدا مسيطراً كمرض يشبه الموت، فهو يصيب اشخاصاً لطالما عرفوا بوجوده ولكن ظنوا انه مرض يصيب الآخرين ولا يصيبهم. والفرنسيون وإن اعتادوا على استعمال الواقي الذكري تلقائياً في العلاقات العابرة وفي العلاقات الأولى مع شريك جديد، فهم سرعان ما يكفون عن استعماله حين تتطور علاقتهم قليلاً مع شريكهم. نحن ايضاً هكذا، والسيدا الذي يشبه الموت نخاله لا يطاولنا ولا يطاول اقربين منا. وسيناريوات الإصابة بالسيدا غالباً ما تتشابه: "خطأ" هي الكلمة التي تتكرر، لحظة عدم اكتراث او ثقة زائدة بالنفس او بالغير، ويصاب المرء بالمرض الذي لا يشفى منه. احد المرضى قال انه بعد ان عرف بإصابته بالمرض، "نقل الخبر الى شريكه الذي نقل له العدوى، والذي كان مصاباً من دون ان يعرف. السيدا مرض يكفي ان نفكر فيه حتى نراه في كل مكان، انه قريب منا دائماً، والحقيقة انه كذلك. ولكننا سرعان ما ننسى، وهذا ما سيحصل في فرنسا بعد حدث الSidaction، كما حصل حين اكتشف المرض. وإن زادت مبيعات الواقي الذكري بعد كل هذه الإعلانات ونصائح النجوم باستعماله، فهي موضة تجارية لن تدوم. لقد خفّت وهرة السيدا مع الوقت على رغم كونه مرضاً شاباً. والفرنسيون ما عادوا يتساءلون عن مصدر او سبب المرض على رغم ما قيل في البداية، من اشاعات بأن العلاقات الجنسية بين اشخاص من الجنس نفسه تسبب هذا المرض، او فضيحة فريق الباحثين الأوروبيين الذين نقلوا العدوى الى الإنسان بعد ان استعملوا اعضاء حيوانات في التجارب على لقاح لمرض آخر، اعطي في السبعينات لآلاف الأشخاص في العالم. الفرنسيون نسوا او تناسوا السيدا وخطره، كما في بلاد اخرى، حتى الفنانين الذين جعلوا من هذا المرض في بداياته، حدث العصر وموضته، وإلهامهم الفني. وقد ظهرت اعمال كثيرة في مجال السينما والموسيقى والأدب في هذه الحقبة، لم تكتف بأن تكون شهادة فنانين مصابين بالمرض، بل تحولت الى فلسفة عدم الاكتراث والجرأة. وأصبح مرض السيدا أو كاد يصبح موضة عند الشباب المتأثرين بهذه الأعمال الفنية. ومنهم من تعمّد الإصابة بالعدوى. ولكن كل ذلك انتهى.