أرسى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال عهده، قواعد للحكم الاتحادي وفي امارة ابو ظبي، ينتفي معها الكثير من الاسئلة التي يمكن ان تتبادر الى الاذهان حول انتقال السلطة وحول مستقبل الامارات وعلاقاتها مع المحيط الخليجي والعربي والدولي. فقد نظم الراحل الكثير من الأمور التي ستتيح انتقال السلطة في إمارة أبو ظبي كما أراد، ومن دون أي مفاجآت غير محسوبة تؤثر سلباً على هيكلية السلطة فيها والانجازات التي تحققت فيها طوال حكمه منذ عام 1966 ولفترة امتدت حوالي 40 عاماً كان قبلها أيضاً في موضع مؤثر في مسيرة الحكم في إمارة أبو ظبي. وإذا كان الشيخ زايد رتّب الكثير من المسائل التي تشكل آلية انتقال السلطة من بعده إلى أبنائه، فإن دستور دولة الإمارات كفيل بترتيب السلطة على المستوى الاتحادي، خصوصاً لجهة اختيار رئيس الدولة ونائبه. ومن المرجح ان اختيار رئيس جديد للإمارات بعد فراغ المنصب الذي احتله الشيخ زايد بلا منازع، نظراً الى شخصيته القوية والنافذة والثقل الذي تمتع به داخلياً وخارجياً، إضافة إلى موقع إمارة أبو ظبي القوي بين الإمارات السبع، سيكون سريعا من دون أي معوقات ومحكوما بدستور الإمارات الذي يقول باجراء انتخابات بين حكام الإمارات السبع لرئيس الدولة. ولذلك يتوقع أن يعقد المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات اجتماعاً لاختيار رئيس جديد للإمارات، وسيقع الخيار حتماً على أحدى شخصيتين، وهما الرجل الآتي ليكون على رأس الحكم في أبو ظبي الشيخ خليفة بن زايد أو نائب رئيس الدولة الحالي حاكم دبي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم. والشيء المهم في اختيار رئيس جديد للإمارات هو اليقين الذي يسود جميع أوساط الحكم والقرار والمجتمع بأن دولة الإمارات التي ولدت عام 1971 حملت معها طوال هذه السنين بقيادة الشيخ زايد عناصر بقائها واستمرارها، بعدما توحد نسيج الإمارات السبع وتحقق الاندماج شبه الكامل بين الامارات ومواطنيها ليشكل جسداً واحداً ليس من السهولة أو البساطة إعادة تشكيله في وحدات منعزلة، رغم تمتع كل إمارة بجزء من الشخصية الاعتبارية التي تترتب عليها حقوق سيادية، خصوصاً لجهة استغلال ثرواتها الطبيعية، مع تنظيم دستوري واقتصادي وسياسي بحكم العلاقات بين هذه الإمارات في إطار الاتحاد. ولا بد أن يستتبع اختيار رئيس جديد للإمارات تغييراً وزارياً وتغييرات في المراكز الأخرى في الدولة. لكن القيادة الإماراتية استبقت وفاة الشيخ زايد بالإعلان قبل يوم واحد عن تعديل وزاري واسع يعكس الموازين الجديدة داخل الأسرة الحاكمة في أبو ظبي وعلى مستوى الإمارات ككل. الا ان هذا التغيير لا يمنع من اجراء تغييرات أخرى إذا ارتأت القيادة السياسية ذلك، بما يتماشى مع مرحلة مع بعد الشيخ زايد. فالشيخ الفقيد كان قبل وفاته ولسنوات طويلة صاحب الكلمة الأولى في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويتابع بشكل مباشر مجريات العمل على كل الأصعدة والمستويات، ومع ذلك فقد انشأ مؤسسات كاملة تحملت مسؤولياتها ابتداء من مؤسسة ولاية العهد إلى كل الدوائر الأخرى التي نشطت في الآونة الأخيرة في تسيير أمور البلاد، خصوصاً مع دخول الشيخ زايد مرحلة المرض والاستشفاء في الولاياتالمتحدة وبريطانيا وسويسرا. وسيكون من الأولويات أمام القيادة السياسية بعد انتخاب رئيس جديد للإمارات، وحسم مسألة التغيير الوزاري، والتعامل معها على مستوى الإمارات هو اختيار مجلس وطني جديد برلمان لا سيما أن المجلس الحالي تنتهي ولايته مع نهاية العام. وستكون مسألة المجلس الجديد بدورها محل أسئلة كثيرة بشأن طريقة اختيار اعضاء المجلس وعددهم ومشاركة المرأة. والمعروف حالياً أنه يتم تعيين اعضاء المجلس الأربعين باختيار حكام الإمارات لهم وفق نسبة محددة لكل إمارة، ولا تزال المرأة خارجه، فيما يتم الحديث منذ فترة عن اختيار الأعضاء بالانتخاب أو بالطريقتين معاً وافساح المجال أمام المرأة لدخول الحياة النيابية. وقبل الخروج من دائرة الدولة الاتحادية لا بد من الاشارة والتطرق إلى علاقاتها الاقليمية والعربية والدولية. وهنا لا يتوقع المراقبون والسياسيون حدوث تغييرات جذرية أو كبيرة في هذه العلاقات بعد غياب زايد الذي خط هذه العلاقات وسار بها بطريقة مدروسة ووفق ثوابت تؤكد على البعد الخليجي والعربي والإسلامي للإمارات وارتباطها الوثيق بمختلف قضايا المنطقة، إضافة إلى الصعيد الدولي من خلال مساهمتها في حل النزاعات بالطرق السلمية وتقديم المساعدات للأشقاء والأصدقاء في الدول النامية، والمساهمة في كل المنظمات الاقليمية والدولية التي تسهم في ترسيخ الأمن والسلم الدوليين، وتؤكد في البداية والنهاية على التمسك بالحقوق المحلية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران، وبالحقوق العربية في فلسطين وإدانة الإرهاب الدولي، خصوصاً ارهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، ودعم العمل العربي المشترك ودعم الجهد العالمي لتحقيق الأمن والسلم الدوليين. والشيء المؤكد ان الأمور لن تخرج عن الرؤية التي أرادها الشيخ زايد لاستمرار الحياة السياسية في أبوظبي من بعده. واللافت ان هذه الرؤية بدأت منذ اكثر من ثلاثين عاماً واكتملت معالمها قبل نحو عام ونصف العام، وتتركز في تنظيم وترتيب الحياة السياسية في الامارة والتي بدأت مع تعيين الشيخ خليفة بن زايد النجل الأكبر له في منصب ولي العهد واستمراره في هذا المنصب طوال هذه المدة، وانتقال الحكم اليه بشكل تلقائي. ولكن الشيء الأهم في تركيب الحياة السياسية في أبو ظبي كان اصدار الشيخ زايد مرسوماً في نيسان ابريل 2003 بتعيين الفريق الركن طيار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس أركان القوات المسلحة في منصب نائب ولي عهد أبو ظبي وتوليه منصب ولي العهد في حال شغور هذا المنصب، وهو ما يتم الآن مع تولي الشيخ خليفة بن زايد منصب حاكم أبو ظبي. وامتد ترتيب الحياة السياسية في أبو ظبي الى تعيين الشيخ حمدان بن زايد وزير الدولة للشؤون الخارجية في منصب نائب رئيس الوزراء في الحكومة الاتحادية، الأمر الذي يؤكد ان الشيخ حمدان بن زايد سيحتل مكانة متقدمة في هيكلية الحكم في الامارة، وبين أبناء زايد الذين يبلغ عددهم 19 من الذكور. ومع حسم مسألة ولاية العهد في أبو ظبي الى الشيخ محمد بن زايد، يبقى الكثير من الأسئلة التي تدور حول الأدوار التي سيلعبها اخوانه الآخرون في الحياة السياسية والاقتصادية على مستوى الامارة وعلى المستوى الاتحادي، وسيكون السؤال الأهم عن الدور الذي سيأخذه الشيخ سلطان بن زايد نائب رئيس الوزراء في الحكومة الاتحادية ورئيس دائرة الاشغال في حكومة أبو ظبي وثاني أكبر أنجال الشيخ زايد بعد الشيخ خليفة. وفي هذا الصدد يتردد الكثير عن استحداث منصب لنائب الحاكم في امارة أبو ظبي على غرار ما تم في دبي بانشاء منصب نائب الحاكم الذي يحتله الشيخ حمدان بن راشد المكتوم بعد تولي الشيخ محمد بن راشد ولاية العهد. ولكن المتابعين يؤكدون انه ليس من الضروري استنساخ تجربة دبي بحذافيرها وتطبيقها في أبو ظبي. كما ستبرز تساؤلات حول دور عدد من أنجال الشيخ زايد الذين يحتلون الآن مناصب وزارية، ومنهم من ينتظر. وهل سيعاد ترتيب المواقع بما يتناسب مع واقع الحال الجديد؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستأخذ وقتاً في اطار التعرف على التوازنات الجديدة في الإطارين المحلي والاتحادي في مع تأكيدات جميع القوى الفاعلة ان الشيخ زايد وضع الأمور على المستويين بحيث لا تخرج عن الرؤية والخط اللذين رسمهما لاستمرار الحكم في أبو ظبي والمسيرة الاتحادية من بعده وفق النهج الذي اختطه طوال حكمه الذي امتد في أبو ظبي لنحو أربعين عاماً وفي رئاسة الامارات لنحو 35 عاماً. ولذلك، يؤكد المراقبون ان النهج السياسي في الامارات لن يشهد تغييرات وتطورات كبيرة، وستبقى الامارات ملتزمة التعاون مع اطارها الخليجي وبعدها العربي وروحها الاسلامية والانفتاح على العالم الخارجي باتجاه يتناسب مع المتغيرات والتوازنات السياسية مع مرونة واضحة في التعامل مع القضايا والتحالفات الدولية الراهنة فإن الأمر لن يكون بالدرجة ذاتها في الشأن الاقتصادي. فمع الاعتماد القوي للامارات خصوصاً أبو ظبي في اقتصادها على صناعة النفط والغاز، وهو ما حققت فيه تطورات مهمة وكبيرة اكدت مكانتها كونها تمتلك اكبر ثالث احتياطي من النفط الخام، ورابع احتياطي من الغاز على المستوى العالمي، ولعبها سياسة متوازنة في الاسعار والانتاج من خلال منظمة"أوبك"فإن هذه الصناعة ستشهد تطوراً مهماً خلال السنوات المقبلة. ولكن التطور الأهم سيكون باتجاه دخول أبو ظبي بقوة في مجال الصناعة التحويلية الى جانب الاستمرار في الزراعة التي أولاها الشيخ زايد اهتماماً كبيراً جعل معها أبو ظبي تمتلك 40 مليون شجرة نخيل. وقد بدأت معالجة التطور في القطاع الصناعي مع انشاء ثلاث مدن صناعية جديدة في أبو ظبي وعقد اتفاقات مع شركات عالمية لانشاء صناعات متقدمة فيها ومن بينها شركة فوكسفاغن الألمانية لانشاء مصنع للسيارات اضافة الى وضع تشريعات اقتصادية جديدة، وفتح سوق مالية والتوسع في الاستثمارات المحلية بعد ان حققت الاستثمارات الخارجية ضماناً اقتصادياً قوياً. ان استمرار الحياة السياسية والاقتصادية في أبو ظبي والامارات بعد الشيخ زايد وفق ثوابت وضعها ونفذها طوال 40 عاماً مع مرونة في التطبيق المستقبلي تشكل الضمانة الأساسية لاستمرار الامارات التي ولدت مع الشيخ زايد قوية وستبقى راسخة من بعده.