قبل بضعة أيام، كانت الدوائر الوثيقة الصلة بالأميركيين تقول، في ظل تصاعد الحملة السياسية على سورية قبل أن تهدأ لمصلحة الحوار، أن على دمشق أن تراجع سياستها وأن تكون "ذكية" مثل ايران، بحجة أن الأخيرة اتبعت، خلال الحرب على العراق، سياسة التقطت حساسية المرحلة، فلم تستفز أميركا وبقيت على الحياد وأخذت موقفاً متوازناً فاستعانت بتاريخ خصومتها وعداوتها مع نظام صدام حسين لتنتظر سقوطه ولتبدي ارتياحها الى هذا السقوط. هكذا كان الأميركيون ينصحون دمشق باعتماد أسلوب طهران. أما اليوم، فإن واشنطن تهدد الأخيرة وتتهمها بالتدخل في العراق وتحذرها من ذلك، فترد الأخيرة بتحذير قوات "المارينز" من اجتياز الخط الأحمر الذي هو الحدود. وكل ذلك تحت ستار حوار يجري بين الجانبين، عبر بعض القنوات، كما قال وزير الخارجية الأميركي كولن باول. وليس سراً أن احدى هذه القنوات هي بريطانيا التي اعتبرت أن ديبلوماسيتها الهادئة حققت انجازاً عبر "تشجيع" ايران على الحياد. إلا أن العبرة في كل ذلك هي في أن واشنطن تختار اليوم دمشق وبعدها طهران وغداً غيرهما، لتوجيه الانذارات. فتخوض حرباً لا متناهية على الصعيد الدولي تستخدم فيها تارة الديبلوماسية وأخرى التلويح بالقوة، وبالعقوبات والعواقب وصولاً الى إجبار فرنسا على دفع ثمن موقفها من الحرب، وسيأتي الدور الروسي في شكل من الاشكال لاحقاً وإلى اعادة دفع التأزم مع كوريا الشمالية الى الذروة على رغم ان المفاوضات جارية الآن بين الفريقين في بكين... وهكذا دواليك. والارجح أننا سنشهد تكراراً للمشهد وضده في العلاقة مع الدول كافة. كل شيء تقوم به الادارة الحالية، تعتمد فيه على قوتها الحاسمة والراجحة لتطويع دول العالم، التي اختبرتها في العراق، متجاهلة ان هذا الاستخدام المفرط للقوة هو سبب الكراهية ضد أميركا. بل ان الرئيس جورج بوش يعتمد على ارتفاع شعبيته بسبب الانتصار الذي حققته له هذه القوة في مواجهة تداعيات الوضع الاقتصادي الداخلي الذي يزداد تردياً، على رغم أن الصقور في ادارته كانوا يعِدون الشعب الأميركي والمستثمرين بتحسن المؤشرات بعد انتهاء العدوان على العراق. قد يكون من المبكر استخلاص البراهين على صحة القاعدة التاريخية التي تقول ان الاعتماد على القوة يؤدي بصاحبه الى ارتكاب الحماقات، في ما يخص السلوك الأميركي في العراق، الا ان بعض الاحداث لا يؤشر الى الكثير من الفطنة في بعض ما جرى ويجري، منذ البداية. إذ أتحفنا المسؤولون الأميركيون، ووسائل الاعلام الأميركية، التي لحقتها وسائل اعلام أوروبية وعربية، بأن تجمع زهاء مليوني شيعي في كربلاء لإحياء ذكرى أربعين استشهاد الإمام الحسين، هو دليل الى بدء تمتع الشيعة بحرية المعتقد التي حرمهم منها النظام الديكتاتوري البائد لعقود، وهذا صحيح... الا ان الحاكم المدني للعراق جاي غارنر لم يتردد في القول بعد أن شاهد اللافتات ونقلت اليه ترجمة للهتافات التي تتلخص ب"لا لصدام ولا لبوش"، إن ما جرى في كربلاء عمل "مدبّر". وترافق ذلك مع توصل القوات الأميركية الى اتفاق على وقف اطلاق النار مع التنظيم الايراني المعارض الموجود على الأراضي العراقية، "مجاهدي خلق"، لإبقاء عناصره شوكة في الخاصرة الايرانية، بعد ان كانت واشنطن استخدمتهم "جزرة" لطهران وسمحت لها في الأيام الأولى من الحرب بقصف قواعده التنظيم على الأراضي العراقية. وأبرز ما يكشفه الهجوم الراهن على ايران هو النقص اذا لم نقل أكثر في فهم حكام واشنطن، الذين هم حكام بغداد الجدد، مكونات الساحة العراقية. وهو النقص الذي ينسب أي اعتراض أو ممانعة من الشيعة العراقيين إزاء الاحتلال، الى ايران. فالقاصي والداني يعرف ان شيعة العراق، على رغم ما يجمعهم مع الأخيرة، ليسوا دمية في يد طهران، بل يتمتعون بقدر عميق من الاستقلالية التاريخية والدينية والسياسية والوطنية التي تجعل موقفهم غير مرتبط بإيران. الا أن الارتكاز الى منطق القوة، يسهّل على واشنطن التلاعب بالوقائع لخدمة اغراضها مع دول الجوار، فتختلق الذرائع، تارة بالأكراد لإبقاء أنقرة خائفة، وأخرى بمجاهدي خلق لإبقاء طهران متوترة، وبأسلحة الدمار الشامل العراقية التائهة... لإبقاء سورية في حال دفاع عن النفس، وبشيعة العراق لإبقاء دول الخليج مستنفرة...