على رغم المراجعة الصارمة للأصول الخطرة والديون الرديئة التي تجري حالياً داخل المصارف المصرية، إلا ان الأوساط المالية وبعض تجمعات الأعمال وثيقة الصلة بما يدور في كواليس الجهاز المصرفي، تترقب ما يمكن أن يطلق عليه "المبادرة الثانية" لمنح الائتمان، التي ينتظر ان يراوح خلالها تقديم الائتمان بمعدلات بين 20 و30 في المئة فوق معدلات ضخ الائتمان الحالية. قال محللون انه في حال حدوث ذلك، ستكون المرة الثانية التي تمنح المصارف القطاع الخاص الفرصة لتنشيط السوق ورفع معدلات النمو الاقتصادي على غرار ما جرى في المبادرة الاولى عام 1997. وتشير الأوساط الى ان الاهتمام بتنقية الأصول داخل الجهاز المصرفي يعود الى هذا التوجه الذي تدعمه رؤى ونصائح دولية ترى ضرورة الاعتماد على القطاع الخاص في صورة أكبر في قيادة التنمية، لان الإصلاح له شقان داخل الجهاز، أحدهما مهمته تحجيم الخسائر، والآخر مهمته تعظيم الأرباح. ولفتت الى انه في ما يتعلق بالمهمة الثانية، وعندما تكون الدولة في حاجة الى رفع معدلات النمو، فإن منح الائتمان المصرفي الى القطاع الخاص لتمويل التوسعات الاستثمارية المطلوبة يكون الأساس، لا سيما وان هذه التوسعات يحميها نظام صارم في الرقابة على المصارف يُعده المصرف المركزي حالياً، ويدعمه بشبكة استعلام وقاعدة بيانات قوية عن عملاء الائتمان وتاريخهم الائتماني، بالاضافة الى نظام حماية للطوارئ يتمثل في الرفع التدريجي لمعدلات كفاية رأس المال من 10 في المئة في كانون الاول ديسمبر المقبل الى 12 في المئة في كانون الاول 2003. وترفض الأوساط نفسها ان يتم وصف هذه الرؤية بالاجتهادات، فهي تضعها في مرتبة أعلى من ذلك قياساً على التصريحات التي أطلقها رئيس الحكومة قبل أيام في شأن نوايا حكومته في تقليص حجم التمويل بالعجز في إطار الالتزامات العامة لموازنة الدولة، وإعطاء الفرصة للقطاع الخاص لملء هذا الفراغ تدريجاً. وقالت ان هذا لا يتأتى إلا بتشجيع القطاع ومساعدته في الحصول على التمويل الذي يحتاج اليه عن طريق المصارف، وبالتالي فان منطق الضرورة ليس وحده الذي يفرض "المبادرة الثانية" لمنح الائتمان لإخراج السوق من حال الركود، والنشاط المصرفي من حال "الانكماش" الى حال الانتعاش، ولكنه من ضرورات التوجهات الحكومية التي ترغب في إزالة كل العقبات التي تعترض تدفق مساعدات وقروض دولية بقيمة 10 بلايين دولار، وفي الوقت نفسه إتاحة أفضل توظيف لها. وتشير تقديرات الأوساط المالية الى ان سقف الزيادة السنوية في معدلات منح الائتمان سيقترب من رقم ال20 بليون جنيه نحو 5،4 بليون دولار وقد يتجاوزه. لكنه سيعمل قدر الامكان على تفادي ظاهرة ترَكُز الائتمان التي كانت الطابع المميَّز للمبادرة الاولى، ما يعني ان نصيب المشاريع المتوسطة والصغيرة من الائتمان سيزداد بما يتفق والتوجهات المعلنة للحكومة. لكن ذلك لن يحرم طبقة ممن يُعرفون بين عملاء المصارف المصرية ب "العملاء الاستراتيجيين" من الحصول على المساندة المطلوبة لمشاريعهم الكبرى من المصارف، شرط عدم تكرار أخطاء الماضي. لذلك، فان الحكومة المصرية عندما وجَّهت الدعوة الى كبار عملاء المصارف المتعثرين بانتهاز الفرصة ومحاولة تسوية مديونياتهم في أقصر وقت والالتزام بالجدية في تنفيذ بنود اتفاقات البنوك، فانها كانت في الواقع تعرض محاولة انتشال المتعثِّر منهم عن طريق تلك المبادرة المرتقبة من دون ضجيج. ومن المتوقع ان تشرع بها مع مطلع العام الجديد بعد استجابة المصارف لطلب رفع معدلات كفاية رأس المال ورفع رؤوس أموالها، ليكون الخاسر الأكبر هو من تخلف عن تلك التسوية.