لم يكن مفهوماً لدي يوماً الاهتمام الزائد بتنظيم مسابقات انتخاب ملكات الجمال. ولم يكن مبرراً في نظري أيضا هذا الإصرار على تعدد المسابقات والإغراق الإعلامي الذي يرافقها. كنت أستغرب كيف تبدأ محطات التلفزة الإعلان عن نقل الحفلة الجمالية مباشرة قبل أكثر من شهر، وتنجح في جعلنا نحفظ الموعد عن ظهر قلب، فنعدل جداول اهتماماتنا بما يتناسب مع ساعات بث تمختر الصبايا بأزيائهن المنتقاة من تفاصيل التراث وملابس السهرة والمايوهات. وفي اليوم التالي تصبح الحفلة التي سمرتنا أكثر من ساعتين أمام العلبة السوداء، حديث الناس الوحيد. ينقسمون مع الحكام وضدهم. فالفنزويلية كانت الأجمل، لكن التحكيم ظلمها. وتلك لم توفق إرضاء لحساسيات البلد المضيف. وهذه وصلت إلى التصفيات معدومة فرصها، لأن أميركا لا تريد الخير لدولتها. وممنوع أن تفوز مرشحة عربية إلى المسابقة. أما جورجينا رزق، ففوزها جاء فلتة شوط "لاستكمال صورة ما كان يسعى العالم متواطئاً مع بعض اللبنانيين على تعميمها عن بلد التزلج والبحر والمقهى". وبقيت حفلات الجمال تتناسخ بين مؤيد ومعارض. وانتصر نهاية رأي السوق. فالحفلات تحظى بنسب مشاهدين مرتفعة، تصل الى الملايين حول العالم. وحقوق البث والنقل الحي تباع بمبالغ باهظة. تكفل للصناعة إستمرارها. ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان. أكثر من مئتين وعشرين قتيلاً سقطوا في بلدة كادونا شمال نيجيريا، بسبب مواجهات ثارت إحتجاجاً على استضافة المسابقة. واكتسبت المواجهات طابعا طائفياً، بعد نشر صحيفة نيجيرية مقالة عن جميلات العالم، تضمن إساءة للنبي محمد. وتسببت المقالة بصدور فتوى أحلت دم كاتبته. وقبل المواجهات، اعترضت المشاركات، وبعضهن رفض الحضور، بسبب عقوبة الاعدام التي لا تزال مطبقة في البلاد. مئتان وعشرون قتيلا أو أكثر، لم تكف لإلغاء المسابقة. هنا لم يعد الاصرار على المضي في اجراءات الانتخاب الجمالي أو وقفها مسألة تحتمل التأويل. ربما كانت مقبولة في الماضي، ومن قبيل الترفيه، فكرة ان تتجمع العائلة امام الشاشة الصغيرة مرة في العام، لمشاهدة مسابقة الجمال. ففيها عادة تعريف بالدول عبر جولات بصرية. وفيها أيضا طرح لقضايا اجتماعية وإنسانية، تناقش بسطحية، ولكنها تثار على الاقل. وعادة ما تمارس الملكة المتوجة دور ممثلة لقضية نبيلة، كمحو الامية، أو نزع الالغام وغيرها. أما بعد مقتلة نيجيريا، فالفوائد المذكورة تصبح غير ذات قيمة. ويستعيد النقاش حول جدوى إقامة حفلات مماثلة، حيويته وجدواه. في الاونة الاخيرة تلقت المؤسسات القائمة على تنظيم احتفالات الجمال أكثر من صفعة. وأقواها من الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة. وترى هذه الجمعيات ان المسابقات الجمالية تقدم المرأة مفرغة من محتواها، على رغم انه يشترط في المتباريات أن يكن جامعيات. لكن الاصرار على المقاسات الجسدية الدقيقة، والتي لا تتمتع بها غالبية الفتيات يحول المعارف والثقافة والسلوك الى أمور ثانوية في تقويم الحكام. ولم يقتصر الأمر على المدافعات عن حقوق المرأة، بل برزت انتقادات حادة من دعاة الانفتاح والليبرالية والحريات الشخصية الذين كانوا في طليعة المروجين للمسابقات الجمالية. ويعتبر هؤلاء ان الاثارة التي تمثلها المتباريات تقل كثيراً عما أصبح متوافراً على شبكات التلفزة والانترنت. ولم يقف منظمو المسابقات عند الانتقادات مكتوفي الأيدي، وحاولوا تلميع صورتها. وذهب قبل عام تاج الجمال الأميركي الى صبية عمياء، وكان لفوزها صدى ايجابياً، الا ان الصدى هذا ضاع بين عشرات المآخذ على المسابقات، والمتزايدة في كل يوم. وثبت أن المرأة العملية لن تجد لها مكاناً في مسابقات من هذا النوع. وكانت ملكة جمال العام ما قبل الاخير فجرت مفاجأة عندما تنازلت عن لقبها، لتعارض برنامج انشطة الملكة ووظيفتها كضابط في الشرطة الروسية. والى الانتقادات السابقة، فشلت المسابقة الجمالية في أن تكون عالمية بالكامل. ولم يستطع المنظمون تخطي الحساسيات الخاصة بالدول على رغم الرعاية الرسمية للمسابقة. ونيجيريا مثل صارخ، خصوصاً ان زوجة الرئيس اوليسغون اوباسانغو هي التي نظمت استضافة بلادها الحفلة. وكانت ملكة جمال مصر انسحبت من التصفيات العالمية لرفضها الظهور بلباس البحر. وتكرر الأمر نفسه أكثر من مرة. وشنت الصحف البريطانية الاسبوع الجاري حملة على نقل المسابقة الى لندن. وخرج بعضها بعناوين مثل "عار" و"الدماء تقطر من ثيابهن". واكتفت منظمة الحفلة جوليا مورلي بالقول ان العرض "بسبب صبغته الدولية تحول شأناً سياسياً والمشكلة في تسييسه لا في فحواه". رد ديبلوماسي، لكن مئتي قتيل أو أكثر يستحقون أكثر من ذلك. والمرأة الجميلة تستحق ان يكون جمالها... سلمياً. أما اذا كانت قواعد السوق تسعى لارضاء شريحة من المشاهدين وان كانت واسعة، عندها يمكننا المطالبة باجراء الانتخابات الجمالية على غرار مباريات المصارعة الحرة، على حلبة داخل قفص حديد، لحفظ سلامة الحضور. [email protected]