هي أشياء لا تشترى    المملكة تعزي إثيوبيا في وفيات الفيضانات    الصين تنتج الماس السداسي    2026 عام الذكاء الاصطناعي.. إعلان السعودية الاستثمار في اقتصاد المستقبل    «تاسي» يبدأ عطلة العيد    تغيرات أسواق النفط    من المنجم إلى السوق.. السعودية.. وجهة الاستثمار التعديني ومستقبل المعادن    مناقشات حول خطط لاستئناف حركة الشحن.. ترمب يدعو للمساهمة في حماية مضيق هرمز    أفعال إيران تخالف أقوالها واستهداف المدنيين مستمر.. تناقض يثير الفوضى ويهدد الاستقرار    الأمين العام لمجلس التعاون يستقبل وزير الخارجية المصري    الاتحاد يلغي تذاكر مباراته في دوري أبطال آسيا ويعد الجماهير باسترداد كامل المبالغ    وزير الخارجية يناقش مع نظرائه بعدة دول التطورات الراهنة    بدوري أبطال آسيا 2.. الاتحاد الآسيوي يعتمد مباراة واحدة في أرض محايدة    انضمام الحكم الدولي رائد الزهراني لقائمة حكام تقنية الفيديو الآسيويين    «الصليبي» يبعد «الأحمد» عن المونديال    100 ألف ريال غرامة مساعدة المخالفين    غموض وفاة مؤثرة تركية.. والقاتل قد يكون فناناً    العقوبة تشمل إيقاف بعض الخدمات الحكومية.. «السكن الجماعي» يدعو المنشآت لتصحيح أوضاعهم    الأعياد لا تأتي لكنها تولد من أفواه الآباء    أحمد حلمي يتنازل عن بلاغ اتهام مدير منزله    قلة الأصدقاء مؤشر إلى الذكاء العالي    «مانجا» تعزز حضورها الدولي برعاية مهرجان الأنمي    القوات الخاصة لأمن الطرق تعزز جهودها الميدانية في الطرق الرئيسة والمنافذ المؤدية للحرمين الشريفين خلال العشر الأواخر من شهر رمضان    دعوة إبراهيم    تنظيم فائق وانسيابية للحركة بالحرمين خلال رمضان.. خدمات متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن    أطعمة مصنعة تهدد صحة العظام    وتد طبي جديد بديل لزراعة الأسنان    أخصائية بصريات تحذر من خطر مسلسلات رمضان    أبرز الأخطاء الطبية «4»    رسائل التبرعات الرمضانية تثير تساؤلات حول خصوصية الأرقام    الأقارب المزعجون يسرعون الشيخوخة البيولوجية    جامعة الإمام عبدالرحمن تستعرض ثلاثة ابتكارات نوعية في معرض جنيف الدولي للاختراعات    الدراما بين كشف الواقع والصور المشوهة    نائب أمير المدينة يزور المسجد النبوي ويشارك الأئمة إفطارهم    12 شهيدًا في قطاع غزة خلال ال24 ساعة الماضية    إيران تهدد المصالح الأمريكية وتقصف المنشآت المدنية الخليجية    تبكير تشغيل النقل الترددي إلى المسجد النبوي يوم ختم القرآن    نائب أمير الشرقية يستقبل رئيس مجلس إدارة جمعية عنك الخيرية للخدمات الاجتماعية    هل تعجل الحرب إستراتيجية عربية موحدة    الجاهزية العسكرية السعودية قوة بنتها السنوات وأثبتها الميدان    ولي العهد يتلقى اتصالًا هاتفيًا من رئيس جمهورية مصر العربية    خطوة تفصل العالمي عن سلسلته الأفضل    الداخلية: الغرامة والسجن والإبعاد لمن ينقل أو يشغل أو يؤوي أو يتستر على مخالفي الأنظمة    الجنيه الإسترليني يرتفع مقابل الدولار الأمريكي وينخفض مقابل اليورو    مطار عرعر يستقبل أكثر من 250 عراقياً قادمين من القاهرة ونيودلهي    أخضر التايكوندو يحصد الذهب والبرونز في سلوفينيا وهولندا ويستعد لمونديال الشباب    مركز الملك سلمان للإغاثة يوزّع 372 سلة غذائية في مديرية الشحر بمحافظة حضرموت    المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر شوال مساء يوم الأربعاء ال29 من شهر رمضان لهذا العام 1447ه    بوبا العربية تُعزز تمكين المرأة: أكثر من 50 قيادية و43% من القوى العاملة نساء    رسيل مسملي تحصد ذهبية معرض جنيف الدولي للاختراعات 2026.. وإبراهيم رفاعي ينال الفضية في إنجاز عالمي لتعليم جازان    قاصدو المسجد النبوي يؤدون صلاة التهجد ليلة 27 من رمضان وسط أجواء إيمانية    المملكة تعزي جمهورية إثيوبيا في ضحايا الفيضانات والانهيارات الأرضية    معسكر الخدمة العامة بالمدينة المنورة يعزز خدماته لزوار المسجد النبوي عبر مبادرات إفطار صائم ورعاية الأطفال التائهين    جلوي بن عبدالعزيز: رجال مكافحة المخدرات يقدمون تضحيات للقضاء على هذه الآفة    12 ميدالية دولية تحصدها الصحة القابضة    أمير الباحة ونائبه يعزيان أبناء سعد بن زومة في وفاة والدهم    محمد بن سلمان صمام الأمان    أمير نجران يلتقي رئيس محكمة التنفيذ بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أزمة الفكر السياسي الإسلامي . ا لاسلام السياسي والعنف : تفاقم الظاهرة ومحاولات الخروج منها 3 من 3
نشر في الحياة يوم 25 - 06 - 2000

ما اختلفت منازع الاسلاميين الايرانيين قبل العام 1978 كثيراً عما كان يجري في العالم العربي منذ الاربعينات. فقد ظهر هناك التيار الإحيائي ايضاً، من خارج المؤسسة الدينية المستقرة، والتي تشبه في الدور وليس في الاصل، ما كان الازهر يقوم به ازاء الدولة، وفي نظر المجتمع. ونجح الاحيائيون واليساريون الايرانيون في حشد الجمهور في مواجهة السلطة الشاهنشاهية. لكن عندما ظهر ان حكم الشاه الى انقضاء" فإن الجمهور ونُخب الدولة على حد سواء، آثروا تسليم الامر الى المؤسسة الدينية، وليس الى الثوار الراديكاليين من الطرفين الاحيائي واليساري. بيد ان البيئات الايرانية، على رغم التشابه الكبير، اختلفت في مسألتين: التقدير العالي، والذي وصل الى حدود الرمز، للفكرة الدستورية، والثورة الدستورية 1905-1906. وقد ظلت مسألة العودة للدستور، او سلامة تطبيقه القاسم المشترك بين سائر التيارات السياسية، الاسلامية وغير الاسلامية، حتى قيام الثورة عام 1978. وهذا ما دفع الامام الخميني الى اصدار دستور موقت قبل مضي عام على نجاح الثورة، ثم جرى تثبيته في استفتاء شعبي عام 1981. والمعروف من هذه الناحية ان الفكرة الدستورية لعبت دوراً مهماً ضمن التيارات الوطنية والليبرالية في العالم العربي، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة للاحيائيين الاسلاميين" وبخاصة بعد تحول الشريعة في وعيهم وكتاباتهم الى ايديولوجيا، وصيرورة "الدستور الاسلامي" في احسن الاحوال بياناً او اعلاناً ليس عن حقوق المواطنين وواجباتهم، بل عن طبيعة النظام، واساس المشروعية، والتكليف الذي يقع على عاتق النظام الاسلامي بتطبيق الشريعة في شتى نواحي الحياة. اما المسألة الثانية، والتي اختلف فيها الاسلاميون الايرانيون عن زملائهم العرب" فتتمثل في تلك التجربة الجماهيرية الزاخرة، والتي استمرت اكثر من عام اقام فيها ملايين الناس في الشارع اقامة شبه دائمة، من اجل اسقاط نظام الشاه. وبذلك ما عاد ممكناً استئثار "المرجعية الفقهية" بالامر بمعزل عن مشاركة الجمهور الذي صنع الثورة.
ان ما ذهب اليه مصطفى كمال وصفي من عدم امكان ان يكون المسلم يمينياً او يسارياً او ليبرالياً" يستبطن في ما يستبطن فكرة المنظومة او النظام الكامل" وقد كانت هذه الفكرة الى جانب افكار اخرى، من بين ما ظهر في وقت مبكر نسبياً لدى الاحيائيين الاسلاميين. فهناك اشارات كثيرة الى فكرة النظام الشامل لدى الامام حسن البنّا. لكن الاستاذ عبدالقادر عودة كان اول من تحدث عن بعض معالمه في "الاسلام واوضاعنا السياسية"، و"الاسلام واوضاعنا الاقتصادية". اما التنظير للنظام، وربط معالمه الرئىسية بذلك التنظير او تلك الرؤية" فيعود الفضل فيه للاستاذ سيد قطب، الذي بدأ بالحديث عنه منذ اواسط الخمسينات في كتب تتالت اولها "مقومات التصور الاسلامي"، وذروتها: "معالم في الطريق". فقد تحدث سيد قطب عن رؤية للعالم، ومنهج اسلامي محدد للعيش والتصرف فيه. كما ذكر ان ذلك كله يشكل تكليفاً للمسلم لا يمكنه الخروج منه، وانه لا يفيد في شيء ان نوفق او نلفق او نُدخل في الواقع "الجاهلي" القائم بعض العناصر الاسلامية" فإما ان يُطبق التصور الاسلامي كله او تبقى الجاهلية. وفي اواسط الستينات، بعد ان اتجهت فكرة النظام الاسلامي الشامل للاستقرار والسواد ظهرت كتب الاستاذ محمد المبارك - الاسلامي السوري - التي تتحدث عن نظام العقيدة، ونظام العبادة، ونظام التشريع، ونظام الاقتصاد. كما تتالت كتب الشيخ يوسف القرضاوي التي تنحو المنحى نفسه، وصولاً الى كتابه: "الحل الاسلامي، فريضة وضرورة". وفي الفترة نفسها نشر السيد محمد باقر الصدر كتابيه المهمين: "فلسفتنا"، و"اقتصادنا". وقد عنى ذلك من جهة انه كما يملك الرأسماليون مذهباً متكاملاً في الثقافة والفكر والسياسة والاقتصاد، وكما يملك الشيوعيون منهجاً متكاملاً ايضاً" فإن الاسلام يملك منهجاً شاملاً للتصدي لمشكلات الانسان. كما عنى ذلك من جهة ثانية ان الاسلام السياسي اعلن عن نفسه، ودخل ميدان المنافسة متمايزاً وليس من طريق اي فريق آخر. وعنى ذلك ثالثاً اجماعاً من جانب الاسلاميين على وجود ذلك النظام او المشروع وقابليته للتطبيق، وانما اختلفت انظارهم حول وسائل تطبيقه وحسب.
على ان الذي لا شك فيه ان فكرة النظام الشامل انما ظهرت على خلفية الانتقال التدريجي للمرجعية من الخلافة الى الشريعة، ومن الامة الى الدولة. ومع تصاعد التوتر في الخمسينات والستينات في الواقع السياسي بين الاسلاميين والقوميين، تزايد انفصال الشريعة عن الجماعة والامة في اتجاه تحويل الشريعة الى ايديولوجيا. والايديولوجيا الحاكمة تطلبت المصير للقول بالنظام الكامل والشامل. وهكذا في اجواء السبعينات العقائدية والانقسامية اعلن "الاسلام السياسي" عن ظهوره بالطريقة الانفجارية المعروفة، والتي اكسبته سمات اتسمت هي بها، وما تزال تُعتبر من مقومات طبيعته، بحق ومن دون حق.
الاسلام السياسي والعنف
لقد اعتبر كثير من الباحثين العرب والاجانب الانقلابية والعنف خصيصة اساسية ضمن خصائص "الاسلام السياسي"، واستدلوا على ذلك بمسلك جماعات الاسلام السياسي في مصر وسورية في السبعينات، وفي ايران حتى بعد الوصول للسلطة، ثم في الجزائر وافغانستان في التسعينات. كما استدلوا على ذلك بما جرى من تحويل لمفهوم وممارسات الجهاد من الخارج الى الداخل، بحيث صار ممكناً - حتى من دون تكفير او اتهام بالردة - ممارسة اقصى ضروب العنف ضد الانظمة، وبعض الفئات الاجتماعية والثقافية.
والواقع ان السلوك العنيف لبعض فئات الحزبيين الاسلاميين، تفسره الظروف والبيئات المحيطة، اكثر مما تفسره التطورات الايديولوجية التي ظهت في تلك الظروف. فعندما قام "النظام الخاص" للاخوان المسلمين بعمليات اغتيال في الاربعينات، ما كان مفهوم الجهاد قد تغير او تحول. وكتاب محمد عبدالسلام فرج الفريضة الغائبة = الجهاد لا يشكّل تفسيراً كافياً لاقدام تنظيم الجهاد على اغتيال الرئىس السادات، والقيام بتمرد مسلح في مدينة اسيوط اثر ذلك. ففي الوقت الذي كانت تجري فيه التحولات الايديولوجية التي وصفتها في ما سبق، كانت الحرب الباردة قد نشبت، واستُخدمت فيها كل انواع الاسلحة، والسلاح الايديولوجي بالذات.
وعلى هامش الحرب الباردة الكبرى، حدثت الحرب الباردة العربية 1958-1968 كما يسميها مالكولم كير في الكتاب المعنون بهذا الاسم. والمعروف ان الانقسام السياسي العربي في سياق الاصطفافات في الحرب الباردة تساوق مع ترتيبات سياسة وثقافية وايديولوجية في البلاد العربية تبعاً للتوجه السياسي للنظام المعني ضمن اصطفافات تلك الحرب الضروس. وفي هذا السياق ما بقي الصراع بين الاسلاميين والقوميين صراعاً بين تيارات فكرية" بل سرعان ما صار صراعاً بين الانظمة القومية والاشتراكية من جهة، والاسلاميين المعارضين من جهة ثانية. ومع ان انزياحات الواقع السياسي والاجتماعي لا تقدم تفسيراً اوتوماتيكياً للتحولات الثقافية والايديولوجية" فإن السياقات الانقسامية على هوامش الصراع العالمي، والآخر الاقليمي" كانت وراء تأدلج المسائل الثقافية العادية، فكيف بالمسائل المتصلة بالشأن الديني والاسلامي؟! واذا شئنا ان نكون اكثر تحديداً" فإن مسائل الحتميات، وعلائق النخبة بالمجتمع، والنظر الى مسائل الاختلاف الثقافي، والمعارضة السياسية" كل هذه الامور صاغتها النخب القومية المتحولة الى اليسار من حول الانظمة الثورية القائمة في الستينات. وما فعل الاسلاميون غير تقليد "تحليلات" و"حلول" تلك النخب مع اعطائها عناوين وشعارات اسلامية. فالجهاد المتحول باتجاه الداخل الجاهلي، هو نفسه الصراع الطبقي، وحرب الشعب الطويلة الامد. وحتمية الحل الاشتراكي، هي نفسها حتمية الحل الاسلامي. والطليعة الثورية قائدة الطبقة العاملة الى الاشتراكية، هي نفسها الفتية الذين آمنوا بربهم عند سيد قطب والغرباء عند صالح سرية. لقد سادت الاجواء عقائدية غلابة ما انطرحت اسئلة او تساؤلات حولها لدى الاشتراكيين العلمانيين، فكيف تنطرح حولها اسئلة وتساؤلات في الاجواء المتمحورة حول الدين، وشؤون المقدس. لكن كما ان تعامل اليساريين مع الانظمة وجمهور والافكار لا يمكن تبريره على رغم "صحة النظرية"، وعلى رغم "الحرب الباردة"" فمن باب اولى ان لا نبرر للاسلاميين الحزبيين تلك الانزياحات القاتلة في الوعي، وفي تأويل الرمز، وفي المسارعة الى النزاعات الداخلية والحروب الاهلية باسم التأصيل، واستنطاق النصوص او تأويلها. هناك الواقع الانقسامي. وهناك الجمود الذي اتخذ سمات العقيدة والايديولوجيا. وهناك الوعي الطليعي والنخبوي لدى المثقف العربي اليساري والاسلامي، الذي يعتبر مقلداً في ذلك الحاكم العربي انه اعرف وادرى بالمصلحة، وبالموقف الذي ينبغي اتخاذه في ظل الوضع الراهن. وعندما تبلغ الاجواء في توترها الدرجة التي بلغتها في السبعينات والثمانينات" فإن سلوكات سائر الاطراف تتجاوز الى حد كبير اكثر التأويلات الايديولوجية تطرفاً وغرابة. ولعل خير مثال يوضح ما نقصده "الجبهة العالمية" التي اعلن عنها اسامة بن لادن وأيمن الظواهري عام 1997 لمقاتلة اليهود والصليبيين. فالجهاد فيها موجه ضد "الخارج" وليس ضد الداخل كما فعل اسلاميو السبعينات. لكن هل يعني ذلك ان الرجلين اصابا بهذا المذهب في فهم الجهاد معناه الاصلي؟! ان المسألة تتصل هنا بالوعي المفوت والممارسة العشوائية. وتعني من جهة ثانية انقطاع الصلة بين الايديولوجيا ورموزها الاستلهامية وان بدا ان هناك تطابقاً شكلياً.
وعندما اراد الفقيه المعروف الدكتور وهبة الزحيلي، في كتابه الصادر اخيراً1 الاجابة على سؤال اساس المشروعية، ومصدر السلطات، رجع لكتاب الدكتور محمد ضياء الدين الريس: "النظريات السياسية الاسلامية" الصادر في الستينات2 وملخص اجابة الدكتور الريس ان الامة هي مصدر السلطات في الاسلام، كما في الديموقراطيات الغربية، لكن هناك فوارق ثلاثة بين "الديموقراطيتين": إن الديموقراطية الغربية مقترنة بفكرة القومية والصحيح بالدولة القومية، ولا كذلك في الاسلام، وان اهداف الديموقراطية الغربية الحديثة دنيوية فقط، بينما اهداف الاسلام دنيوية واخروية، وان سلطة الامة في الديموقراطية الغربية مطلقة، واما في الاسلام فليست سلطة الامة مطلقة وانما هي مقيدة بالشريعة، بدين الله.
وكانت نقاشات الخروج من المأزق قد بدأت في الثمانينات، وعاد كثيرون من الاسلاميين للحديث عن كيفيات الخروج من العنف، والخروج من الانفصام بين الامة والشريعة. واجريت بحوث لتجاوز الثُنائيات من مثل التقليد والتجديد، والاسلام والغرب، والعروبة والاسلام. وسادت اخيراً الفكرة القائلة بأن مرجعية الشريعة، لا تتنافى والديموقراطية الاجرائية المعنية بتولي الناس لأمورهم بأيديهم من طريق الانتخابات، والتنظيمات والمؤسسات الاخرى. وهكذا عاد التواصل بين "نظام الشورى" لدى المفكرين الاسلاميين، و"النظام الديموقراطي"، لا على سبيل التماهي والتماثل، بل على اساس انهما نظامان مختلفان، لكنهما يتلاقيان في امور كثيرة" فقد سبق للامام حسن البنّا ان ذهب الى ان النظام النيابي ليس بعيداً عن النظام الاسلامي ولا غريباً عنه. وقد استتبع هذا التطور في النظر الى مسألة المشروعية الامة مصدر السلطات، المصير للقول بالتعددية السياسية والحزبية، وامكان المشاركة في الآليات التي تقتضيها الحياة السياسية الحديثة. ولا شك ان هذا التجديد في الفكر السياسي كانت له اسبابه النظرية والعملية. فقد بلغ التأزم الثقافي حدوده القصوى، وصار الاسلاميون من جهة اخرى فريقاً سياسياً معتبراً في المجتمع السياسي، ومؤسسات المجتمع المدني الجمعيات والنقابات. وقد شاركوا في بلدان عربية عدة في الانتخابات، كما شاركوا في ما تقتضيه من ترتيبات التحالف والتكتيك، والدخول في بدائل وخيارات، تتطلب جميعها الاعتراف المتجدد بمبدأ المواطنية، ومساواة النفس مع الآخر، والتعامل مع المؤسسات القائمة باعتبارها شرعية. ولا شك ان عمليات المشاركة هذه تمت في بلدان عربية بطرائق اسلس منها في بلدان اخرى. وقد تبين للتيار الرئىسي ضمن الاسلام السياسي، ان الجمهور لا يحاسبهم باعتبارهم وحدهم ممثلي الاسلام، كما انه في تأمله لمصالحه لا يخون دينه او شريعته عندما لا يختار انتخابهم هم. كما تبين لهم ان خطاب الهوية الذي يحملونه هو خطاب جذاب لفئات واسعة من الناس، وانهم يستطيعون بالمشاركة الايجابية الكسب اذا اتقنوا قواعد اللعبة السياسية التي لا تتجاهل استتباب الانظمة، كما لا تتجاهل وجود فرقاء سياسيين آخرين على الساحة.
هل انتهت الازمة اذاً؟ وهل انتهى الافتراق بين الامة والشريعة في انظار المفكرين الاسلاميين؟ هناك اليوم، بل ومنذ اكثر من عقد من السنين اجتهادات يتقدم بها فقهاء كبار من مثل الامام محمد مهدي شمس الدين، والشيخ يوسف القرضاوي، وطارق البشري، واحمد كمال ابو المجد، ومحمد سليم العوا على تفاوت في اشكال التأسيس وآلياته تقول بسلطة الامة، وولايتها على نفسها، وتفهم الاستبداد السياسي باعتباره عدواناً على حق الناس في اختيار النظام الذي يريدون، والاشكال التنظيمية التي يرونها الاوفق لتحقيق ارادتهم ومصالحهم، وممارسة حريتهم في التعبير عن ذلك كله وبلورته باختيارهم الجماعي او الاكثري.
ومع ذلك" فإن التأزم في التفكير والتصرف السياسيين لم ينته بعد. وليست تلك مسؤولية جماعات الاسلام السياسي وحدها. فالتغيير السياسي باتجاه تسليم الناس زمام امورهم لا يحول دونه الاسلاميون. كما ان روحية التجديد والمصالحة التي اظهروها ما وجدت استجابة مشجعة لا من جانب الانظمة. ولا من جانب اطراف البيئات السياسية والثقافية السائدة.
بيد ان الفرق بين ما هو حاصل اليوم، وما كان عليه الامر حتى السبعينات، ان المشروع الاسلامي في جانبه السياسي، صار جزءاً مهماً في المشهد العربي العام" وتلك حقيقة تعطي املاً بمزيد من التقدم على ساحات العمل الفكري والسياسي، كما تضع على العواتق مسؤوليات ما كانت بحسبان الاسلاميين عندما كانوا خارج المشهد.
... وبين يدي وانا اختم هذه المقالة كتابان يحمل كل منهما عنوان الازمة. الاول لحيدر ابراهيم علي اسمه: "ازمة الاسلام السياسي: الجبهة الاسلامية القومية في السودان نموذجاً" القاهرة، 1991، والثاني للدكتور محمد عمارة اسمه "ازمة الفكر الاسلامي الحديث" دار الفكر المعاصر بدمشق وبيروت، 1998. وينصب اهتمام الدكتور حيدر ابراهيم على ادانة تجربة الدكتور حسن الترابي السياسية في السودان باسم الاسلام احياناً، وباسم الديموقراطية والوحدة السودانية احياناً اخرى. والدكتور حيدر لا يرى للاسلام السياسي مستقبلاً لا في السودان ولا في غيره" ليس بسبب انغلاقه الفكري وحسب، بل وبسبب ممارسته العنيفة، ومصادرته لحريات الناس ايضاً. اما الدكتور محمد عمارة، فيشخص الازمة بطريقة مختلفة تماماً. اذ يرى ان علتها انقسام العقل المسلم حول مرجعية المشروع الحضاري للأمة، ولا مرجعية من وجهة نظره غير الاسلام، الذي يملك نظاماً كاملاً وشاملاً تحاول تيارات التغريب والغربة ان تنال منه.
الحواشي
1 وهبة الزحيلي: حق الحرية في العالم. دار الفكر المعاصر، دمشق - بيروت، 2000.
2 تأتي اهمية كتاب محمد ضياء الدين الريس من ظهوره في الستينات، وقوله بسيادة الامة وسلطتها استناداً الى قراءة لنظرية "الاختيار" في الامامة، عند اهل السنة. واذكر انني حضرت بعض محاضراته في دار العلوم عام 1967 او 1968، وكانت له مجادلات مع بعض تلامذته حول كتابه الآخر عن "مسألة الخلافة في العصر الحديث"، اذ ظنوه يوافق علي عبدالرازق في الفصل بين الدين والدولة - في حين كانت وجهة نظره ان الاسلام يقتضي مشروعاً سياسياً" لكن الامة هي صاحبة الحق في اختيار شكل نظام الحكم، فلا إلزام بصيغة الخلافة التي عرفها المسلمون تاريخياً.
* كاتب لبناني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.