ما يحصل خلال كل لقاء كروي لبناني - سوري وبعده، يفرض التفوه بكلمة واحدة هي "عيب"، وعبارة واحدة هي "اللي استحوا ماتوا"! وكأن المطلوب من المسؤولين السياسيين في البلدين الشقيقين أن يتناسوا مشكلات المنطقة وغليانها وأطماع العدو الصهيوني حتى يتفرغوا لمعالجة مباراة كرة قدم بكل ما فيها من خلفيات وملاحق، فيستنفروا تالياً القوى الامنية ويشغلوا القضاة بالتحقيقات والأطباء بالمصابين ويملؤا الزنزانات بالمشاغبين. وكأن المطلوب أيضاً من رجل الشارع أن يتناسى الضائقة الاقتصادية والهموم الاجتماعية ليشغل باله وفكره بموبقات ومخلفات لقاء رياضي ليس فيه من الرياضة سوى الاسم، ولتتحول متعة متابعته لمباراة ما الى هاجس إضافي أين منه هواجس تأمين لقمة العيش وقسط المدرسة وفاتورة المستشفى والديون الهائلة المتراكمة على الدولة. لقد حصل ما حصل خلال وبعد مباراة المنتخبين اللبناني والسوري في الدورة الرياضية العربية قبل عام كامل على ملعب المدينة الرياضية في بيروت... لم يعد أحد يهتم بهوية الفائز باللقاء، لكن أحداً لا ينسى الغوغاء التي أطلت برأسها. وحصل ما حصل خلال وبعد مباراة النجمة والجيش السوري في كأس الكؤوس العربية على الملعب ذاته مساء الخميس... ليست مهمة هوية الفائز لان لسان الحال يقول "تمخض الجبل فولد فأراً"، والمهم فقط أن أكثر من جريح سقط وأن الجيش اللبناني انتشر في أكثر من منطقة وأن الهلع فرض نفسه على الجميع. الرياضة أخلاق، ونحن لا ندعي أننا مصلحون... لكن من حقنا الجزم بأن بعض مشجعي الطرفين سقط في الامتحان الجديد بسبب التهور والجهل والاستخفاف بمشاعر الناس ومصالحهم. وطامة كبرى أن يفكر المرء بقدمه لا بعقله، ولولا ذلك لتقبل جمهور النجمة الخسارة بروح رياضية بدل أن يهاجم بعضه حافلتين لمشجعي فريق الجيش السوري القادمين من دمشق، ولتعامل الجنود السوريون مع الفوز بتواضع بدل أن يطلقوا الرصاص من المضادات الارضية ابتهاجاً ببلوغ المباراة النهائية بحسب ما ذكرت أحدى وكالات الأنباء. ويفسر بعضهم أعمال الشغب بأنها تعبير عن رفض لواقع سياسي-اجتماعي، ويفسرها بعض آخر بأنها واجهة من واجهات ما بعد الحرب اللبنانية باعتبار أن مباريات عدة بين قطبي بيروت النجمة والانصار انتهت أمنياً الى ما انتهت اليه مباراتا المنتخبين الشقيقين ثم النجمة والجيش السوري. أعان الله الجميع بحجرهم وبشرهم على ما يحصل، وأعان رجالات الاتحاد العربي لكرة القدم الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين الى إقامة كل لقاء لبناني - سوري على أرض محايدة... و"الجايات أكثر من الرايحات". ونعلم بأن ما نكتبه عن هذا الموضوع هو "عيب على عيب"... لكن ما يشفع لنا هو أننا جميعنا ضد تحول ملاعب العافية الى ملاعب جهل