نعم ممكن    إطلاق نار خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب وإخلاء القاعة    ألمانيا تعلن نشر قطع بحرية في المتوسط استعدادًا لمهمة محتملة في مضيق هرمز    الاحتلال الإسرائيلي يجدد توغله في ريف القنيطرة جنوب سوريا    محمد بن عبدالعزيز يدشن «قافلة التنمية الرقمية» بمحافظات جازان    الاقتصاد السعودي يمضي بوتيرة نمو متزنة برغم تداعيات التوتر في المنطقة    مليارا ريال صادرات التمور    الذهب يكسر سلسلة مكاسب خمسة أسابيع.. رغم ارتفاع الجمعة.. والأسهم لأعلى مستوى    اتفاقية لتطوير مشروع «أميرال»    رئيس أوكرانيا يصل إلى جدة    أمير القصيم يستقبل أمين هيئة كبار العلماء ورئيس قطاع الوسطى الصحي    «الصناعة» تكرم المبتكرين    17 شهيدًا و32 إصابة في غزة خلال ال 48 ساعة الماضية    بناء وإعادة تأهيل 13 مدرسة باليمن.. برنامج لتمكين الفئات الأشد احتياجاً والمعاقين بغزة    إسرائيل تمنع العودة ل59 قرية حدودية بلبنان    الأهلي بطلاً ل«النخبة الآسيوية» للمرة الثانية على التوالي    وزير الرياضة يهنئ القيادة بمناسبة تحقيق الأهلي لقب دوري أبطال آسيا للنخبة    جالينو.. برازيلي يسطر أمجاده مع «قلعة الكؤوس»    ذهب نخبة آسيا في «قلعة الكؤوس»    في نصف نهائي كأس إنجلترا.. رغبة تشيلسي بمداواة الجراح تصطدم بطموح ليدز    النيابة العامة تقر العمل عن بُعد    «تعليم الطائف» يحتفي ب300 طالب وطالبة في «مُسابق إلى نافِس»    محافظ جدة يناقش الجهود المرورية    شددت على الالتزام بالتعليمات النظامية.. «الداخلية»: 100 ألف ريال غرامة لمخالفة «تأشيرات الحج»    ضبط 1077 حالة تهريب جمركي    ضبط 12 ألف مخالف وترحيل 17 ألفاً    جامعة أم القرى تنظم ندوة «التراث الثقافي.. هوية متجددة وتنمية مستدامة»    حين تُباع الصحافة: من المهنة إلى "اشتراك شهري"    أفلام مصرية تتنافس في موسم عيد الأضحى    «الفنون البصرية» تطلق حملة «ما هو الفن؟»    رئاسة الشؤون الدينية للحرمين تطلق الخطة التشغيلية لموسم الحج    .. تدشين الدورة الكبرى لأحكام المناسك    «طريق مكة».. حين تبدأ رحلة الحج قبل الإقلاع    تخصيص صالات استقبال لحجاج مبادرة "طريق مكة" في مطاري جدة والمدينة    للعام الرابع.. إسطنبول تحتضن "مبادرة طريق مكة" بالترحيب والامتنان    «كبدك» ومدينة سعود الطبية.. شراكة نوعية    نائب أمير حائل ينوه بدعم القيادة للقطاع الصحي    مستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالمحمدية يجري عملية تصحيحية ناجحة ل"4" جراحات سابقة غير دقيقة بالعمود الفقري    إهمال البروتين يسبب ضعف العضلات    مختص: التوتر المزمن يؤثر سلباً على القلب    نادي الرياض يتوج بكأس دوري الدرجة الأولى تحت 16 عامًا 2025-2026    السندباد يحلق في «جدة سوبردوم» بحضور «20» ألفًا    أوكرانيا بين تصعيد روسي حاد وأزمة إمدادات في الجبهة    عملية جراحية ناجحة للرويس    8 أشهر من الفراغ السياسي تعمق نفوذ سلطة الظل الحوثية    مدرب الأهلي فخور بالإنجاز الآسيوي ويرفض التعليق على مستقبله    لقاء ثقافي يستعرض تجربة القراءة    معرض يجسد ملامح الحياة في المناطق        نقوش تاريخية    رؤية السعودية 2030: 90% من المبادرات تحققت وعلى المسار الصحيح    ضبط 1077 حالة تهريب جمركي بأسبوع    آل هيازع: عقدٌ من الرؤية... وطنٌ يتحدث بلغة العلم ويصنع الإنجاز    أمير جازان يستقبل المدير العام للتعليم بالمنطقة    أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة    نائب أمير عسير يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    وزير الدفاع ونظيره الإيطالي يستعرضان تطوير الشراكة العسكرية    رئيس الاتحاد السويسري يصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تطورات قضية ستروس كان ومحاذير التنميط الإعلامي
نشر في الحياة يوم 13 - 07 - 2011

المشهدية المُعولَمة التي جرى التعامل بها مع قضية اتهام مدير صندوق النقد الدولي السابق، دومينيك ستروس كان، بجرائم اغتصاب واحتجازٍ بالعنف تكاد تنتهي بمشهدية مُمَاثلة لكن باتجاه معاكس.
نجَم التبدُل المُعلَن عن اعتراف الادعاء العام بأن «الضحية» خادمة الفندق الغينية الأصل ضللته بشهادات «مغلوطة» عن الاعتداء الافتراضي الذي تعرضت له، وبسبب تسريب الإعلام وقائع هلهلت صدقيتها وصورتها الأولى كامرأة مثالية السلوك تتنكّب مشقة تربية ابنة مراهقة من زوجٍ متوفٍ، وكمؤمنة تقوم بالفرائض وبإعانة المحتاجين على رغم رقة حالها. ما دفع القاضي إلى رفع الاقامة الجبرية عن المُتهَم، وإعادة كفالته ومنحه حرية التنقل في الولايات المتحدة من دون رقابة مرافقين وسوارٍ في معصمه، والاحتفاظ بجواز سفره على رغم ذلك لضمان حضوره تتمة إجراءات المحاكمة إذا لم يُلغِ المدعي العام تعقباته وتمسَّك ببعض الاتهامات الأخف حفاظاً على مركزه واستفادةً ربما من تقديم صحافية فرنسية شابة شكوى على «كان» بمحاولة اغتصاب.
المشهديتان لعبتا وتلعبان دور توليد انطباعات ومقارنات تتعدَّى الفرْدَيْن المُنخرطين بدعوى أمام القضاء الأميركي إلى بثِ قِيَمٍ تكتسب صفة مُعولَمَة.
فالصُوَر الأولى ل «رئيس الاقتصاد العالمي» والمرشح الأوفر حظاً - آنئذٍ - لرئاسية فرنسا 2012، مُقيّداً بصحبة الشرطة ثم تعِباً منكسراً أمام قاضية نسوية باسمة بَدَت إشادة مُبالِغَة بمساواتية نظام قضائي أميركي يُعامِل كجانحٍ عادي أحد أبرز نافذي العالم. فيبدو كما لو أنه يقيم المساواة بينه وبين عامِلة الفندق السوداء المُهاجِرَة، الرجال والنساء، البيض والسود، الأقوياء والضعفاء، الأثرياء والفقراء، الحاكمين والمحكومين.
الحقيقة ليست تماماً كذلك. ففي البُعْد القضائي البحت وأياً يكُن الإيحاء المساواتي الذي بثّته الصُوَر، ثمة وجه مقابل تقليصي مُتمثِل باشتراطه توافر محامين أشِدّاء في المناورة وبلبلة الخصم ونقض الأدلة وتأويلها، وهو ما يشكِّل الجسد الفعلي لمسار أي محاكمة وتتمته المنطقية بالوصول إلى ترتيب وتسوية قضائيين أو إلى محاكمةٍ وحكم. الأمرٌ المُتصِّل أساساً بالإمكانات المالية للمتقاضين حتى لو كان النظام مبنياً على مبدأ تساوي الحقوق بين الاتهام والدفاع في كل أزمنة العمل القضائي. فثِقَل أكلاف المحامين والتحريات الخاصة والكفالات تدفع 87 في المئة من المُتهَمين للمُرافعة كمُذنبين تفادياً لأحكام شديدة، كما يدفع غيابها أكثر الضحايا لقبول تسويات قضائية.
ثمة نقض آخر للعدالة تعهَّدت به مشهدية كهذه منبثقة من النظام القضائي الأميركي. فإن مُتهَماً يتمتع بقرينة البراءة حتى إثبات العكس، ما كان له أن يتعرَّض لعقاب مُسْبَق شكَلته الصُوَر المُعمَّمة. إذ بدَت آنئذٍ قاصمةً لمستقبله السياسي فكأنها جزاء دونما حُكْم. وأصابت موقتاً مصائر حزبه الانتخابية ما شكَّل إضراراً جانبياً بِمَن ليس له صلة. إلاّ إذا اعتبرنا مع غلاة المُحافظين والأخلاقويين الشعبويين أن حزبه الاشتراكي ووسائل الإعلام يتحمَّلان مسؤولية عدم كشفهما «ماضيه»، وتجاوزنا ما يمكن مؤاخذتهما به فِعْلاً وهو صناعتهما «أيقونة فوق الشبهات والمُساءلة» لرجل تشكَّل عالمه من جمعٍ غالب بين المال والنفوذ والنساء. وذلك شيء مختلف عما يريدونه وهو تحويل الإعلام والتنظيمات السياسية إلى أدوات رقابية ووشائية. كل ذلك قبل التثبُت - وهنا مهمة المحاكمة - من أن الرجل قد انتقل فعلاً أو كان له اعتياد معروف على الانتقال من حالة الغزل والدعوة المِلحاحة والثقيلة إلى الجرم المشكو منه أمام المحكمة.
وبمعنى آخر فإن الصورة المبثوثة والمهيمنة في المشهدية الأولى سهلت تقديم المُتَهَم كجانح أقرب إلى الحيوانية ولم تنتظر حكماً لن يكون بوسعه تعويض كامل آثارها السلبية إذا ما كان بالتبرئة. في حين أن انحصار رد فعل معظم الصحافة والطاقم السياسي الفرنسيين باستنكار الإثارة الإعلامية وانتهاكها قرينة البراءة، أدَّى إلى تجاهل الحق الذي تقترح الحركات النسوية تثبيته في أوروبا «اللاتينية»: قرينة الصدقية للضحايا حتى إثبات العكس ابتغاءً للتوازن وكسراً لاستبطان تقليد الهيمنة الذكورية.
أمّا المشهدية الثانية الساعية اليوم إلى تقديم «الضحية» كمُتَهَمَة فهي تكرِّر التضخيم الإعلامي المُتَسرِّع دالَّة على اختلال وتعقيد آليات اشتغال النظام القضائي الأميركي وصلاته بالإعلام في حقبته المُعَولَمَة.
لكن الأخيرة تطفئ في الوقت نفسه المعارك التي اعتقد الشعبويون بإمكان إشعالها بمعرض حادثة فردية قد تكون جرمية أم لا. اليسارويون منهم، انطلاقاً من المبالغة باعتبارها معركةً الفقراء والضعفاء والملونين والنساء ضد «شكلية» الديموقراطية الغربية و «انعدام» عدالتها. واليمينيون منهم للتضييق على الحقوق وحميمية الحياة الشخصية ولإرساء طهرانية جديدة في فرنسا وأوروبا تزعم تقليد الأميركية، في حين أن الأخيرة نسبية كما أن صعودها الجزئي منذ «ووترغيت» نجم عن اجتماع شروطٍ متقطعة مثل تزامن اشتداد المحافظة التديينية وزيادة طلب وسائل الإعلام على دورٍ فعلي في صنع السياسة والتحكيم في مجرياتها. طهرانية جديدة تدَّعي تجسير الفارق الثقافي مع العالم الأنكلو - ساكسوني والناشئ وفق أدبياتهم عن التحررية الفرنسية المنعوتة ب «التهتك» من المحافظين. الأمر الصحيح بصورة جزئية وحسب. فقد كان قوياً قبل الثورة الفرنسية وتراجع في بعض مراحلها كما بعد عودة الملكية قبل سقوطها النهائي. فيما بعثت الثورة الطالبية عام 1968 روحاً جديدة فيه.
لكن المشهديتين مأخوذتين معاً تُشيران إلى تأثير المُقترَب الإعلامي التنميطي على القضاء، الذي بدأ يأخذ أبعاداً غير مسبوقة مع وسائل التواصل الحديثة. فبعضها يدفع إلى تعميم منتجات هي على الحدّ بين المعلومة والإشاعة، فيما بعضها الآخر وبخاصة لدى الشباب يطالب بإسبال أخلاقية أكبر على الحياة العامة ولاعبيها ومختلف وجوهها ومستوياتها المحلية والدولية. وهذه الأخيرة خاصية جيلية نشهد آثارها المُماثلة في «الربيع العربي»، وتدفع تدريجياً باتجاه تبني أخلاقيات جديدة في السياسة وبين السياسيين.
المشهديتان تشيران خصوصاً إلى محاذير التنميط الإعلامي على القضاء والحياتيْن العامة والخاصة، ولكن أيضاً على الإعلام نفسه.
* كاتب لبناني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.