بشيء من الحزن تساءلت السيدة مني غويبة زوجة الناقد الكبير الراحل سمير فريد عن مصير أرشيفه السينمائي والنقدي بعد قرابة عام ونصف العام من رحيله، مطالبة المؤسسات الرسمية والمهتمة بحفظ التراث بالحفاظ على تلك الثروة التي تركها فريد «لأنها جزء من تراث وثروة مصر القومية». جاءت تساؤلات غويبة ومناشدتها للمسؤولين أثناء الندوة التي عُقدت لمناقشة كتاب «سمير فريد الناقد السينمائي... النموذج والمثال»- الذي ألفته كاتبة هذه السطور- وحضرها نخبة من الفنانين والمثقفين منهم المنتج غابي خوري، والسيناريست محمد العدل، ورئيس الرقابة د. خالد عبد الجليل، والمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي وزوجته الممثلة عرين عمري، وآخرون. مأزق وأكثر مَنْ يستمع إلى مناشدة مني غويبة المشوبة بالحيرة والقلق- في الندوة التي نظمها مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بمناسبة إصداره للكتاب واحتفائه بسمير فريد في دورته السابعة المنعقدة في الفترة من 16 إلى 22- لا بد أن يشعر بالأسى والمرارة ليس فقط لأنها عبّرت عن مأزق كثير من المثقفين والنقاد السينمائيين العرب البارزين والمؤثرين في حركة السينما وتطورها في الوطن العربي، وليس فقط لأن هذا المطلب مثلما هو حق وواجب على الدولة والحكومات أن تلتزم به أمام هؤلاء المثقفين، هو أيضاً أحد حقوق الأجيال القادمة في أن تطلع على ماضيها بصورة لائقة، فمن لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له. أما المفارقة التي فجرتها دعوة السيدة منى غويبة فهي- وكما يتضح من الكتاب الصادر عنه والذي يتضمن سبعة فصول تتناول نشأته وجذوره وثقافته وتتلمذه علي أيدي كبار المثقفين في التاريخ المصري المعاصر، متطرقاً إلى الدولة الخاصة به والتي بني أركانها من مساندته للأجيال الشابة ودعمه المستمر لها، من دون أن تغفل المؤلفة الحديث عن التمرد والتنازلات في حياته، ورفضه لتمثيل شخصية دون كيشوت، وانحيازه الكبير وامتلاكه لسلطة اشتهاها كثير من النقاد، وأثناء ذلك تناقش كيف فرض وجوده، وكيف لعبت انشغالاته السياسية دوراً في ظلم كثير من الأفلام التي أعاد إنصافها لاحقاً-، المفارقة أن يُعاني أرشيف سمير فريد من الإهمال وعدم الاهتمام به- من قبل الدولة والحكومات العربية التي تصرف ببذخ بلايين الجنيهات علي إقامة المهرجانات السينمائية- وهو الذي أفنى عمره في التوثيق والبحث في تاريخ السينما المصرية والعربية كذلك، في شكل علمي وأكثر منهجية من الأجيال السابقة عليه من نقاد السينما المصريين، وظل طوال حياته المهنية يُطالب بإنشاء سينماتيك وأرشيف للسينما المصرية، و «دار للسينما» تكون مماثلة في تصنيفها ودورها لذلك الدور الذي تقوم به «دار الكتب» إذ تقوم بحفظ جميع نسخ الأفلام، إلى جانب كافة البحوث والدراسات والكتب السينمائية وسيناريوات الأفلام، حيث يتم الحفظ والتوثيق وفي الوقت نفسه يُتاح للباحث الاطلاع والقراءة. واللافت في الأمر أن الناقد الراحل كان يفكر في ذلك ليس من أجل السينمائي أو الناقد والباحث المتخصص فقط، ولكن كان يعتبره حقاً لكل مواطن. «فكما أن من حق المواطن/ الأديب أن تتوافر له دار كتب- قطاع عام أو خاص أو مشترك، أو بتمويل محلي أو أجنبي أو بواسطة الشيطان ذاته- وكذلك من حق المواطن/ التشكيلي أن تتوافر له المتاحف التي تحفظ اللوحات والتماثيل حتي يراها في الوقت الذي يشاء، كذلك من حق المواطن/ السينمائي وجود دار للسينما «سينماتيك» على غرار متاحف اللوحات والتماثيل». حلم لم يتحقق وطوال حياته وعلى رغم قرب سمير فريد من كثير من المسؤولين، وعلى رغم تولي نقاد كبار إدارة العديد من المؤسسات السينمائية المنوط بهذا الأمر، فإن حلم سمير فريد لم يتحقق أبداً، إذ تخلت عنه الدولة ومؤسساتها، لكنه على رغم ذلك لم يستسلم- فبنى أرشيفه الخاص المتفرد- لأنه كان على قدر كبير من الوعي والثقافة بحيث أدرك خطورة السينما وأهمية دورها التثقيفي ومن ثم تفهم تماماً أن تجاهل الحكومات المصرية والعربية لإنشاء دار للسينما هو قرار مقصود لخوفها من السينما ودورها في تثوير الوعي، فالسينما كما نظر إليها فريد هي «فن المتعلم، والأمي في الوقت نفسه، فقد حلت محل الفولكلور بالنسبة إلى الأُمّي، بقدر ما كانت فناً جديداً بالنسبة إلى المتعلم. من هنا جاءت شعبية السينما الهائلة التي فرضت وضعها الخاص في السوق، فهي بالنسبة إلى التاجر مصدر ثروة، وبالنسبة إلى الدولة مصدر خطر لهذا السبب أيضاً، وبين التاجر الراغب في الربح، والدولة الخائفة من التأثير، وجد فنان السينما نفسه عاجزاً، وهو لا يملك غير موهبته، ولا يستطيع أن يبدع فنه بمعزل عن المجتمع كما قد يفعل الرسام أو الأديب أو الشاعر أو حتى مؤلف المسرح، أو مؤلف الموسيقى. ولهذا فتاريخ السينما هو على نحو ما تاريخ الصراع بين الفنان من ناحية، وبين التاجر والدولة من ناحية أخرى». ضد المغالطات كلمات منى غويبة السابقة أثناء الندوة، وكذلك صفحات عدة من هذا الكتاب الصادر عنه، تكشفان بعمق وتروي كيف كان سمير- ولا يزال- جزءاً من تلك المعركة وهذا الصراع، وتلك الرغبة المحمومة في تطوير السينما، فقد كان يحلم بإقامة نهضة سينمائية مصرية وعربية، وهو أثناء ذلك كان مدركاً لما يتم ترويجه حول ذلك الفن من مغالطات للتقليل من قيمة وشأن السينما، مغالطات من قبيل: أن السينما فن جماعي، أو أنها مجرد صناعة للتسلية وقضاء أوقات الفراغ. بذلك الوعي المغاير، والثقافة العميقة، المتنوعة، وعلى خلاف الكثيرين من المثقفين غير المدركين لقيمة ودور السينما، كان سمير فريد- مثلما وصفته المخرجة والمنتجة هالة لطفي: «مؤمناً بأن السينما يمكنها أن تُغير الوعي، وأن الفن يمكنه أن يغير العالم للأفضل. ولهذا، وعلى رغم تشاؤمه المقيم من الوضع العام كرس حياته للحلم، وساعد الكثير من الحالمين والأجيال الشابة- من نقاد وسينمائيين- على مواصلة المحاولة على رغم كل شيء». وهو أيضاً كما وصفه الناقد السينمائي اللبناني إبراهيم العريس بأنه: «عاش نصف قرن من الكتابة والصراع والابتسام، وبأنه لم يكن يريد من الدنيا سوى أن يعيش للسينما، وفي السينما، وحبذا لو يكون رفيقه في مساره هاملت الشكسبيري الذي كان حلم حياته أن يؤفلمه يوماً. وعلى الأقل، منذ رفع سمير فريد النقد السينمائي في مصر والمشرق العربي إلى مرتبة الفنون الجميلة».