لا يزال موضوع الإندماج يشغل القسم الأكبر من المجتمع الألماني، بفئاته المختلفة، منهم من يتخذ الأمر على محمل الجد، ويعمل جاهداً على مساعدة اللاجئين على تعلّم اللغة والانخراط في المجتمع الألماني، ومنهم من يبدي تعاطفه وانخراطه بغية أن يبدو أكثر ديموقراطية وأرفع سوية. فأضحى الاهتمام بموضوع اللاجئين «موضة جديدة»، تتحوّل في أحيان كثيرة إلى مظاهر تضفي على صاحبها نوعاً من «الكول» أو الجاذبية. كما أنه لا يخفى على أحد حجم الموازنات المرصودة لعملية الاندماج. ويقال إن الجميع يحاول الحصول على جزء من الكعكة من خلال تقديم برنامج اندماج خاص، قد يساهم في تحقيق أهدافه. كما يقف آخرون على الحياد تماماً من هذه الأزمة، علها تعبر من دون أن تمس حياتهم الشخصية وهدوءها. وقسم لا يستهان به يكرر جملة من قبيل أنا لست نازياً ولكن على ألمانيا أن تتوقف عن استقبال مزيد من اللاجئين. فقد بلغنا الطاقة القصوى من الاستيعاب. وفضلاً عن الفئة المعروفة مسبقاً بعدم تقبّلها للغريب تحت أي ظرف أو مسمّى، أي النازيون الجدد والمنتمون والمتعاطفون مع حركة «بيغيدا» والذين يجدون فيها تجسيداً لفكرهم وقيم حياتهم وإن كانوا لا يشاركون في تظاهراتها. ويدعم هؤلاء رفضهم اللاجئين بأمثلة وتجارب تظهر عدم قدرتهم على الإندماج لاسيما عند حدوث تفجير إرهابي في أوروبا. في المقابل، فإن السوريين أنفسهم منقسمون في صورة أوضح، بين فئات عدة، من يريد الاندماج فعلاً ولا يوفر طاقة لتحقيق ذلك، بدءاً من الإصرار على تعلّم اللغة والانخراط في برامج التدريب المهني وبناء صداقات مع المحيط الألماني، ومحاولة إيجاد فرصة عمل بأسرع وقت للاستغناء عن معونة الحكومة، ومنهم من يريد الاندماج ولا يستطيع، لصعوبات تتعلّق أهمها بعدم القدرة على تجاوز حاجز تعلم اللغة، التي يراها شديدة الصعوبة. لكنه يراعي القوانين ويظهر التزاماً حقيقياً تجاه ما هو متعارف عليه في الحياة الاجتماعية الألمانية وما هو قانوني. أما الفئة الثالثة فهي الذين لا يريدون الاندماج أصلاً، وبالتالي فالنتيجة واضحة، أن واحدهم لن يسعى لتعلّم الألمانية ولا البحث عن فرصة في سوق العمل، ولا إلى مد جذور التواصل مع الآخر. وقد يبحث عن فرصة عمل كما يسمى في ألمانيا (بالأسود) بحيث يعمل من دون الحاجة إلى تعلم اللغة، عند أحد أصحاب المهن أو المحلات العربية، ولا يسدد الضريبة، وبالتالي لا يساهم في الناتج المحلي. وتشكّل هذه الفئة عبئاً حقيقياً بالدرجة الأولى على السوريين الراغبين في الإندماج الذين يقدّمون نموذجاً طيباً في قبول الآخر، وعلى ألمانيا نفسها حكومة وشعباً واقتصاداً. ولم تصدر بعد أرقام رسمية تكشف نسبة هذه الفئات، ولم يتضح عدد الذين سيندمجون، ومن هم غير قادرين أو راغبين في ذلك. ويحدد قانون الاندماج الذي صدر أخيراً شرط تعلّم اللغة ومن ثم الحصول على عمل، ليصبح سؤال كثيرين: هل ستوفر ألمانيا فعلاً فرص عمل حقيقية للسوريين الجدد بعد أن يتعلّموا لغتها ويتقنوها؟ ويبقى هذا السؤال برسم الحكومة الألمانية ومدراء الشركات والمصانع. لكن بعضهم يستبق الإجابة بالتأكيد على عدم قدرة ألمانيا على توفير فرص عمل لأكثر من مليون سوري خلال السنوات الثلاث المقبلة. في المقابل، يرى خبراء أن ألمانيا في حاجة إلى مهارات حرفية ومهنية معيّنة لا تتوافر بين مواطنيها أو بين الأوربيين. وبالتالي ستكون الفرصة متاحة أمام السوريين لاغتنامها. وكانت عقدت أخيراً ورشة عمل لتحديد أبرز معالم الاندماج في مركز الشباب في مقاطعة تورنغن تحت عنوان «المستقبل واللاجئون»، من منطلق أنه تجربة حقيقية يصعب الحكم عليها في وقت قصير. وشارك فيها ممثلون عن الأحزاب اليسارية، وشباب في المقاطعة مهتمون في القضية، وموظفون عاملون مع اللاجئين الجدد والمهاجرين، إلى ممثلين عن المنظمات غير الحكومية المعنية بالأمر. وخلصت الورشة إلى توصية تضمنّت ثلاثة محاور أساسية: واجبات الألماني تجاه الوافد الجديد، واجبات الوافد تجاه بلد اللجوء، وما يجب على الحكومة الألمانية فعله بغية تحقيق إندماج حقيقي خلال السنوات المقبلة. وحددت «حزمة التحديات» التي تواجه اللاجئ السوري في ألمانيا بالأوراق والمستندات المطلوب منه توقيعها ومتابعتها، وصعوبة النظام البيروقراطي الذي يجعل مهمة الاندماج أكثر صعوبة. كما يعاني اللاجئ السوري من عدم وجود أصدقاء ألمان، والحصول على منزل وتعلّم اللغة والحنين إلى الوطن، وكذلك شعوره بالخوف من المستقبل والمجهول. في المقابل، فإن اللاجئ مطالب بتعلمّ الألمانية والالتزام بحضور حصص دروسها، واحترام دستور البلاد وعدم مخالفته، والسعي إلى العمل والاستغناء عن المساعدات الحكومية. كما يطلب من الألماني توفير وقت أكبر لمساعدة الوافدين في مراجعة الدوائر الحكومية والحصول على منزل وعلى محادثتهم باللغة الألمانية، وتوضيح الثقافة الألمانية للآخر ومشاركته في رحلات تعريف على المعالم الحضارية والثقافية. أما السياسيون، فعليهم وقف إرسال الأسلحة إلى مناطق النزاع، خصوصاً سورية، العمل الجاد من أجل مصلحة البلدان الأخرى، ومحاولة مساعدة الشعوب على بناء الديموقراطية في بلدنها، بدلاً من دعم الأنظمة الديكتاتورية.