منذ اكثر من عام لا يمرّ يوم في ألمانيا لا يؤتى فيه على ذكر اللاجئين في وسائل الإعلام، اذ لم يوفّر احد تناول هذه المادة الدسمة في البلد الذي تحوّل في العام الماضي الى «بلد المليون لاجئ»، بعد ان مرت عليه سنوات طويلة من الثبات والاستقرار. وبعيداً من الجلبة الإعلامية المثارة حول اللاجئين في ألمانيا والمزاج الشعبي المرّحب بهم تارة والناقم عليهم تارة أخرى، لا زال هناك من يعمل بهدوء من خلال الثقافة محاولاً رصد التداعيات الاجتماعية لاستقدام اللاجئين الى ألمانيا. بهذه الروحيّة استطاع الصحافي السوري جورج مرتا مع مجموعة من الشباب الألمان إصدار صحيفة محلية في ضواحي برلين تحمل عنوان Zusammenleben (العيش سوياً) وتتناول قضايا اللاجئين ومسألة اندماجهم. بالكلمات التالية افتتح جورج مقدمة العدد صفر في أيار(مايو) العام الماضي: «لم أفكر يوماً ما بأنني سوف أتقدم لطلب اللجوء لأي بلد في العالم, وأغادر بلدي تاركاً عائلتي ومنزلي وعملي وكل ما سعيت من أجله طوال أكثر من ثلاثين عاماً. لقد سبق لي وزرت هذا البلد الحضاري ألمانيا بمهمة صحافية قبل ثلاثين عاماً، وكانت زيارة عمل ممتعة جداً. لكن الزيارة الثانية لم تكن مثل سابقتها. هذه المرة قدمت بصفة لاجئ مع الآلاف من اللاجئين السوريين هرباً من الحرب في بلدي سورية». وانطلقت الصحيفة في سياق الهجمات التي تعرض لها اللاجئون من حركات اليمين المتطرف ووجهت خطابها الى عامة الألمان ساعية بذلك الى خلق مناخ للتبادل الثقافي للخروج من دائرة العنف اللفظي والجسدي التي رسمتها مجموعات من النازيين الجدد ممن تصدّروا الإعلام الألماني مع أنّهم لا ينتمون الى متن المجتمع الألماني إنَّما ينحدرون من بيئات مهمَّشة تنتشر فيها البطالة والمشاكل الأسرية وتعاطي المخدرات. يتحدث السيد مرتا عن كيفية تأسيس الصحيفة قائلاً: «بدأت فكرة الجريدة عندما شاركت في تظاهرة في مواجهة تظاهرة بيغيدا في كانون الثاني (يناير) 2015. قمت بحشد عدد كبير من الشباب السوري للمشاركة وخاطبت الحشد الألماني بالتظاهرة بشكر أهل المدينة على استقبال اللاجئين ومساعدتهم مع مطالبتي للاجئين باحترام المجتمع الألماني والسعي إلى تعلم اللغة الألمانية والبحث عن عمل شريف. كان رد فعل الأصدقاء الألمان إيجابياً جداً، وتمت دعوتي إلى حضور اجتماعات تحضير التظاهرات ونشاطات الاندماج في ناد اجتماعي، وخلال احد الاجتماعات أطلقت مبادرة الجريدة كفعل إيجابي وللخروج من دائرة رد الفعل على نشاطات اليمين المتطرف». وتصدر الجريدة الفصلية بثلاث لغات هي العربية والإنكليزية والألمانية، كما تنشر مقالات مترجمة من العربية تُعنى بمسائل اللاجئين. وعلى عكس النشاطات الإغاثية لا ينال العمل الثقافي للاجئين في ألمانيا الاهتمام المطلوب من الدولة او حتى من الجمعيات المسؤولة. فعدا عن الدورات المتعثّرة والبطيئة لتعلم اللغة الألمانية يغيب الدعم عن اي نشاط ثقافي، بذلك تعامل الدولة اللاجئين وكأنهم صناديق يجب ملؤها بالطعام غير آبهة بوضعهم النفسي او طرق تفكيرهم. ويعمل في الجريدة شباب جامعيون طوعاً من دون اي مقابل مادي، وتُجمع كلفة الطبع من خلال تبرعات ونشاطات فنية يقوم بها الشباب في أندية اجتماعية. وفي خضمّ موضة استغلال مسائل اللاجئين في القضايا الداخلية لتلميع الذات كاللهاث وراء أطفال اللاجئين لنشر صور معهم في وسائل الإعلام تحاول الصحيفة تحييد نفسها عن اي تيار أو هيئة أو منظمة سياسية، حتى لو كلفها الأمر صعوبات ماديّة. ولا تنحصر قلّة الاهتمام بالثقافة لدى الجانب الحكومي، اذ يعتبر الكثير من اللاجئين الاهتمام بالقراءة واللغة والاندماج ترفاً لمن يبحث عن أساسيات العيش الكريم من أمن وسكن وطعام وملبس... بَيْد ان هذه الحجة لا تلبث ان تسقط بعد أشهر قليلة من قدوم اللاجئين، حيث تتعامل الدولة مع طلبات لجوئهم بسرعة وتوّفر لهم ما يحتاجون عبر نظام الضمان الاجتماعي. ويدعو رئيس التحرير كل من يود المشاركة بالكتابة في الجريدة مؤكداً انّ الباب مفتوح لمن يريد حضور اجتماعات هيئة التحرير، ويشدّد على ضرورة التواصل بين اللاجئين والألمان على أسس إنسانية وانعدام الخيارات الأخرى كما جاء في خاتمة مقدمّة العدد الأول: « ذلك هو حوار الحياة من خلال فهم الميراث الحضاري المشترك الذي يدفعنا للعيش معاً بسلام ويزيد من ازدهار التعددية الحضارية لمختلف الأقوام وفق مفهوم التنوع الحضاري. إنها طريقة بسيطة وعفويةًَ وطبيعية للعيش... أو تواجد مشترك يعتمد على القيم والتعاون والمفاهيم الإنسانية لقبول الآخر من دون أية شروط مسبقة. هذا هو الهدف الأسمى لهذه الوسيلة الإعلامية حيث نحاول أن نساعدكم في فهم الآخرين، بخاصة أن الإنسان يخشى ما لا يعرفه. هذه الجريدة هي منّبر لكل من يرغب في العيش معنا بسلام، وإننا نرحب بكل من يريد أن يساعدنا في تحقيق هدفنا للعيش المشترك». ومع فشل السياسات العالمية في معالجة المسألة السورية ووصولها الى الدرك الذي انحدرت اليه، وما نتج منها من انفجار المجتمع وتشظّيه الى لاجئين هائمين على وجوههم في بلدان العالم، لا يسع هؤلاء الشباب إِلَّا المواجهة بالثقافة؛ السلاح الأخير المتاح بعد ان اثبتت السياسة عجزها.