السلطان: سيتم يومياً معالجة مليون متر مكعب من المياه في الرياض (فيديو)    وزير البيئة: 64 مبادرة سعودية بتكلفة 52 مليار ريال لحماية البيئة    «الخارجية»: تنديد مجلس الأمن بهجمات الحوثيين على السعودية دفعة مهمة لجهود حل أزمة اليمن    «التحالف» تنشر صوراً استطلاعية للزوارق الأربعة المفخخة التي تم تدميرها اليوم بمعسكر الدفاع الساحلي بالجبانه شمال مدينة الحديدة    خادم الحرمين وولي العهد يهنئان رئيس زامبيا بذكرى استقلال بلاده    الجمعية السعودية للأورام تُنظم ندوةً افتراضية للتوعية بسرطان الثدي    ضبط 15688 مخالفاً لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    رئيس أرامكو: الشركة ستحقق صفر من الانبعاثات بحلول 2050    الصحة: 43 إصابة جديدة بكورونا    التعليم تطلق النسخة المطورة من وثيقة آداب السلوك الرقمي لمستخدمي منصة مدرستي    إحياء الفراغات العمرانية.. انطلاق فعالية «بسطة الرياض» ب 200 مشاركة متنوعة    هل قرر المركزي السعودي إلغاء "الريال الورقي"؟    بالفيديو : "مبادرة السعودية الخضراء" استثنائية وتسهم في بناء مستقبل مستدام ومثمر    بلدية وادي الدواسر تواصل أعمال الرش ومكافحة نواقل الأمراض    لا تنس أن تضع الكأس    السعودية .. حياد صفري من الانبعاثات الكربونية بحلول 2060    مختصون: رؤية 2030 عززت التعايش والانفتاح في المجتمع السعودي    فنون #أبها تناقش أسس كتابة السيناريو    كلوب يقارن بين صلاح ورونالدو.. من الأفضل؟    " الأمثال .. خلاصة تجارب وفطنة "    توقعات الأرصاد.. طقس غائم وسحب رعدية على هذه المناطق    إصابات كورونا حول العالم أكثر من 242.5 ‬مليون    المملكة تستضيف مؤتمراً عالمياً للاستعاضة السنية في نهاية أكتوبر    فهد المولد يعتذرعن واقعة مباراة الشباب    فاولر يتوقع نتيجة كلاسيكو انجلترا    مختص: الحساسية الزائدة تعرّض أصحابها لانخفاض ضغط الدم.. وهذه الأشياء تساعد على انتظامه    لإتاحته أمام السياح والزوار.. ترميم "درب زبيدة" التاريخي وتأهيل السوق الأثري بقرية "لينة"    يعاني اعتلالات نفسية.. أسرة تناشد البحث عن ابنها المفقود بالباحة منذ 6 أيام    90.7% فعالية لقاح فايزر للأطفال من 5 إلى 11 عاما    بالفيديو.. كلاب ضالة تهاجم طفلًا في تبوك والأمانة تتفاعل    يحق للعامل المطالبة بالتسجيل في هذه الحالة.. وزير المالية يقر تعديلات بلائحة التسجيل والاشتراكات بنظام التأمينات    تستهدف "20" حالة شهرياً.. حماية الرياض تقدم الدعم لحالات العنف الأسري    المملكة تتوج ب 7 جوائز في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس    عرض منزل مؤسس علم الاجتماع «ابن خلدون» للبيع !    «الصحة العالمية» تطرد 4 موظفين بسبب اعتداءات جنسية    ذوي اضطرابات النطق واللغة تنظم فعالية في مقرها    إطلاق سراح مسلم من الروهينجيا اعتقل 17 عاماً بالخطأ بسجن جوانتانامو    ضمك يصعق الصدارة    «الصحة العالمية»: الاستخدام المتزامن للقاحين ضد الإنفلونزا و«كوفيد - 19» آمن    شاهد.. كيف تصدى جندي أمريكي سابق للصوص خلال السطو على متجر؟    1 نوفمبر.. توقف دعم «واتساب» على هذه الهواتف!    شاهد.. دوامة ريح ضخمة تظهر فجأة في سماء هولندا    بلادي هواها في لساني وفي دمي    مركز الموهبين بالكلية التقنية بأبها يبتكر مستشفى ذكي لخدمة ذوي الهمم    أمير عسير يزور محافظتي بيشة وتثليث ويقف على جودة الخدمات ويلتقي بالأهالي    القوات البحرية الملكية تخرج الدفعة 218 من مركز التدريب البحري    إمام المسجد النبوي يذكّر بضرورة اتباع السنّة والحذر من البدع    "النصر" يراقب مهاجم "مونتيري" المكسيكي    رفات الشهيد القرني يعود إلى أرض الوطن ويدفن في مكة    (حديث إلى شبابنا برقيات عاجلة)    أميركا تلحق بروسيا والصين باختبار صواريخ أسرع من الصوت    فريقا شباب أبها وهجر يلتقيا عصر اليوم علي ملعب هجر    أمير عسير في ضيافة شيخ شمل قبائل عبيدة    خادم الحرمين الشريفين يعزي الرئيس الأمريكي في وفاة كولن باول    أميركا ترصد 5 ملايين دولار للقبض على الإرهابي هيثم طبطبائي    إل جي تُعزز عالم الألعاب الالكترونية مع مكبر صوت الألعاب الجديد UltraGear    خادم الحرمين وولي العهد يعزيان الرئيس الأمريكي في وفاة كولن باول    أكبر من الكرسي!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



روح علي عزت بيغوفيتش «تحتار» بين ترجمتين
نشر في الحياة يوم 11 - 08 - 2015

شاركتُ في شباط (فبراير) 2013 في مؤتمر «الترجمة وإشكاليات المثاقفة» الذي نظّمه منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة، وجمع كوكبة من المترجمين الذين جمعوا بين الأكاديمية والترجمة، وبالتحديد بين التنظير والتطبيق، مما أعطى المؤتمر قيمة مرجعية، خصوصاً بعد صدور الكتاب الذي ضمّ أعمال هذا المؤتمر. وكان ضمن المشاركين في هذا المؤتمر أستاذ الأدب الإنكليزي المشارك في جامعة عين شمس شكري مجاهد وهو مترجم عدد من المؤلفات (بينها «التواصل عبر الثقافيات» و»نظرة الغرب إلى الحجاب») الذي شارك بورقة عن «الإحالات الثقافية بين المصدر والترجمة: خواطر سجين لعلي عزت بيغوفيتش نموذجاً». وقد كشفت الورقة عن جديد ألا وهو أن الكتاب المعروف للمفكر والرئيس السابق لجمهورية البوسنة والهرسك علي عزت بيغوفيتش «هروبي إلى الحرية» قد ترجم الآن من اللغة الإنكليزية من قبل محمد عبد الرؤوف المعيد بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس ومراجعة مجاهد بعد أن صدرت ترجمته الأولى من البوسنوية في 2002، وأن الورقة تدور حول تجربة المراجعة بين المترجم والمراجع بالاستناد إلى «استدعاء النص الباطن للمؤلف» الذي يمكن أن يفشل المترجم أحياناً في توصيله للقارئ.
ومع أنني في مداخلتي على ورقة مجاهد تساءلتُ عن مدى تقبّل ترجمة كتاب عن اللغة الإنكليزية بدلاً من اللغة الأصلية، وهل يمكن بالتالي «استدعاء النص الباطن» من اللغة غير الأصلية للمؤلف، إلا إنني اعترفتُ أن الترجمة الموجودة من اللغة البوسنوية «ليست تماماً جيدة» و «ربما هذا سمح لترجمة من اللغة الإنكليزية مع وجود ترجمة من اللغة الأصلية».
وبعبارة أخرى لم أكن ضدّ هذه الترجمة مع أن اسمي يرد كمراجع للترجمة الأولى من البوسنوية التي صدرت في دمشق واعتبرتها تجربة تستحق أن يتم تناولها ضمن محور من محاور المؤتمر المقبل عن «الترجمة من اللغات الوسيطة». وبعد شهور تلقيت رسالة لطيفة من المترجم محمد عبد الرؤوف يخبرني بصدور الترجمة ويسأل عن عنواني لإرسال نسخة منها. وقد شكرته على ذلك وأعطيته عنواناً وبقيت انتظر وصول النسخة لاطلع عليها من دون موقف مسبق باعتبارها تمثل تجربة جديدة بين المترجم والمراجع كما استعرضها مجاهد. وللأسف لم تصلني الترجمة الجديدة بحكم أسفاري المتواصلة في الشهرين الأخيرين حتى أعطي فيها رأياً. وكان يمكن لهذا الأمر أن يمرّ في شكل عادي كما مع بعض الكتب الإشكالية مثل كتاب «الاستشراق» لادوارد سعيد، حيث تجد كل ترجمة ما تبرّر ذاتها، ولكن ما نشره الأستاذ محمد يوسف عدس عن هاتين الترجمتين على موقع «الاسلامويون» بتاريخ 11/4/2015 جعل الأمر يأخذ بعداً تحريضياً ضد «الترجمة السورية» لصالح الترويج ل»الترجمة المصرية». وفي الحقيقة أن ما نشره وأثاره الأستاذ عدس بعد مرور 13 سنة وخمس طبعات ل»الترجمة السورية» لكتاب «هروبي إلى الحرية» يكشف عن خلفيات الترجمة والمراجعة ومصالح دور النشر التي تسيء الآن إلى روح المرحوم علي عزت بيغوفيتش بعد كل هذه السنوات، ولكن لا بد من مثل هذه الشهادة حتى يتحمل كل طرف مسؤوليته. وكان الأولى بالأستاذ عدس الذي سررتُ بالتعرّف إليه في ثمانينات القرن الماضي في القاهرة بسبب اهتماماته البلقانية، ومن ذلك بالمفكر علي عزت بيغوفيتش، ألا يرمي الناس بالحجارة من بيته الزجاجي لأن ما قام به في كتابه «كوسوفا بين الحقائق التاريخية والأساطير الصربية» (القاهرة 2000) يفوق «خيانة المترجم».
فالأستاذ عدس يبدأ مقالته بسؤال «من دار نشر عربية كبرى» ثم توضيحه بأنه لم يقم بترجمة كتاب «هروبي إلى الحرية» وينتقل إلى توصيف «الترجمة السورية» للكتاب بأنها «ترجمة بالغة السوء» لكي يروّج للترجمة الجديدة وناشرها (دار مدارات) ويصفها بأنها «ترجمة جيدة لأن مترجمها يتقن اللغتين العربية والإنكليزية ودارس للفلسفة وصاحب أفق ثقافي عريض»، ثم يفترض من عنده لكي يبرّر مدحه للترجمة الجديدة «أن مترجم الكتاب لا بد أنه قد استفاد من قراءة فكر علي عزت بيغوفيتش وفهم فكره وفلسفته مما كتبته وكتبه غيري قبل أن يبدأ في ترجمة الكتاب».
وبعد هذا الاستهلال يتابع الأستاذ عدس القول: «قمتُ بدراسة مسحية لتعليقات القرّاء على الترجمة السورية السابقة وكان غرضي معرفة أثر الترجمة السيئة على القارئ وكيف استقبلها وعبّر عن رأيه فيها. وقد خرجت بهذه النتيجة: إن الغالبية العظمى شعرت بالصدمة عندما قارنت بين ترجمة كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب» وبين ترجمة كتاب «هروبي إلى الحرية»، وبعض القراء من شدة سخطه لم يواصل قراءة الكتاب...».
ومن اللافت للنظر هنا لدى أستاذ كبير نحترمه أن الدافع للتعرّف إلى رأي القراء في موقع معروف لم يكن التعرّف في شكل عام إلى انطباعات القراء وهي متنوعة وموجودة على الموقع المذكور، ولكن كان غرضه المحدد مسبقاً «معرفة أثر الترجمة السيئة على القراء» ولذلك اختار من آراء القراء ما يدعم رأيه المسبق وترك الآراء الأخرى التي تمتدح الترجمة!
وعلى كل حال أريد أن أشكر هنا الأستاذ عدس الذي وصلني مقاله وأنا في سراييفو بنهاية أيار (مايو) 2015 في فندق مجاور لضريح المرحوم عزت بيغوفيتش لأنّه نبّهني إلى أمور ما كان يجب أن أسكت عنها منذ 2002 باعتباري مراجعاً ل «الترجمة السورية السيئة»، وذلك احتراماً لمكانة المرحوم عزت بيغوفيتش.
وفي الحقيقة كنت قد أطلعتُ في مطلع عام 2000 على كتاب «هروبي إلى الحرية» الذي كان قد صدر لتوه في سراييفو وكتبت عنه عرضاً بعنوان «الهروب إلى الحرية يمكن أن يكون بالروح والفكر أيضاً» نشر في جريدة «الحياة» اللندنية (عدد 27/2/2000). وعلى أثر هذا العرض اهتمت «دار الفكر» السورية بنشر ترجمة هذا الكتاب وطلبت مني تأمين حقوق النشر، فنقلتُ ذلك إلى الصديق إبراهيم افنديتش سفير جمهورية البوسنة والهرسك في عمّان الذي نقل ذلك إلى الرئيس بيغوفيتش وحصل على ترحيبه بذلك، وقدّم لنا نسخة إلكترونية حذف منها الرئيس بعض الأمور التي اعتبرها بديهية للقراء العرب المسلمين. كان شرط السفير أن أقوم أنا بالترجمة، ولكن مع موافقتي استدرجته إلى الموافقة على أن يشاركني في الترجمة الصديق إسماعيل أبو البندورة ثم آل الأمر إلى أن يقوم هو بالترجمة وأكتفي أنا بمراجعة الترجمة لسبب خاص لا أود ذكره هنا.
كان أبو البندورة قد تخرّج من قسم العلوم السياسية بجامعة بلغراد كما درس القانون في الجامعة العربية ببيروت وترجم لكبار الكتّاب اليوغسلاف (أندريتش وسليموفيتش) حتى ذلك الحين، مما جعلني أرشحه بقوة إلى الأستاذ محمد عدنان سالم صاحب ومدير عام دار الفكر الذي كانت تربطني به علاقة احترام لكوننا نلتقي في الندوات والمؤتمرات العلمية وكنت أعتبره من الحالات الخاصة التي يكون فيها الناشر رجل فكر وليس صاحب رأس مال فقط. وبناء على ذلك فقد أرسل العقد للصديق أبو البندورة مع بند يكلفني فيه بمسؤولية مراجعة الترجمة وأن الترجمة لا تذهب إلى المطبعة إلا بعد تقرير مني يفيد بصلاحياتها. كان ذلك العقد بين الناشر والمترجم (أبو البندورة)، وبقيت أنتظر عقداً أو تكليفاً مماثلاً لي، ولكن عدم وصوله لم يمنع من متابعة العمل انطلاقاً من الصورة المثالية في ذهني عن الأستاذ عدنان سالم.
في ربيع 2001 انتهى الصديق أبو البندورة من الترجمة في ظروف صعبة بسبب مرض شقيقه بالسرطان. وقد تركت كل شيء بيدي لأتفرغ لمراجعة الترجمة التي أخذت مني أربعة شهور وأعدتُ المخطوطة للصديق أبو البندورة مع ملاحظاتي عليها باللون الأحمر. وبعد شهر كان أبو البندورة يستعجل تقريري عن الترجمة لدفع المخطوطة إلى المطبعة، وسألته على الهاتف عن إدخال الملاحظات التي دوّنتها باللون الأحمر فأخبرني أنه قد أدخلها كلها. وبناء على ذلك كتبت تقريراً للأستاذ عدنان سالم يفيد بأن الترجمة قد غدت صالحة بعد إدخال الملاحظات عليها، أي من دون الاطلاع على النسخة النهائية التي ذهبت إلى دار الفكر. ويبدو أن الدار حولتها إلى المراجع اللغوي المعتمد لديها قبل أن يصدر الكتاب في 2002.
بعد صدور الكتاب سنحت لي فرصة لزيارة دمشق فذهبت إلى دار الفكر التي كانت تطل على «كراجات الأردن ولبنان»، واستقبلني الأستاذ عدنان سالم كعادته وتحدثنا في الأمور المألوفة وأنا انتظر أن يقدم لي عقداً أو تكليفاً لعملي في مراجعة الترجمة إلا أنه مدّ يده أخيراً وأعطاني نسخة من كتاب «هروبي إلى الحرية» مكافأة عما قمت به. لاحظت أن اسمي كمراجع ليس على الغلاف الخارجي بل على الغلاف الداخلي، ولم يكن لي أن أعترض لأنه لم يكن بيننا عقد بل كنت أعمل بناء على الثقة والتقاليد التي تحكم ذلك (مراجعة الترجمة). ولم يتذكرني الأستاذ عدنان سالم إلا بعد اكتشافه أنهم حولوا ألف دولار إضافية إلى الصديق أبو البندورة، حيث طلب مني التدخل وقمت بدوري وانتهى الأمر بإعادة المبلغ إليه!
عدتُ إلى عمان بهذه النسخة / المكافأة ووضعتها في المكتبة مع بقية الكتب من دون أن أفتحها بسبب هذا الموقف. في غضون السنوات اللاحقة كنت أتابع بارتياح «نجاح» الترجمة. ففي العام 2003 استحدثت جامعة فيلادلفيا الأردنية جائزة «أحسن كتاب مترجم» وفاز بها الصديق أبو البندورة الذي كُرّم باحتفال كبير من دون أن يشير أحد إلى الاسم الآخر المذكور على الغلاف الداخلي سواء في قرار اللجنة المانحة للجائزة أو في كلمات الاحتفال. وبعد سنة فاز الكتاب بجائزة أكبر ألا وهي جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، التي تعتبر من أهم الجوائز على مستوى العالم العربي. وفي غضون ذلك كانت دار الفكر توالي إصدار الطبعة تلو الطبعة من الكتاب إلى أن أصدرت الطبعة الخامسة من الكتاب عام 2013.
ومن خبرتي المتواضعة في مجال النشر أن دار النشر المحترمة حين تفكر في إصدار طبعة ثانية للكتاب المترجم كانت تتصل بي لتسأل إذا كانت لديّ أية ملاحظات أو تصويبات للترجمة، على اعتبار أن تعامل الدار يفرض احترامه ويجعل المترجم يراجع الترجمة لكي يصل بها إلى أحسن مستوى. ولكن من علاقتي المتواصلة مع الصديق أبو البندورة فهمت منه أن علاقته مع دار الفكر انتهت مع صدور الكتاب، وهو ما اعتبرته مؤشر رضى للناشر والقراء طيلة 2002-2015.
ومن هنا علي أن أشكر الأستاذ محمد يوسف عدس الذي نبّهني إلى خلل ما في عالما العربي والإسلامي. فكيف يمكن أن تكون «الترجمة السورية بالغة السوء» وهي تحظى بهذه الجوائز وهذه الطبعات خلال 2002-2015؟ إما أن القراء لا يقرأون أو أن أصحاب القرار في منح الجوائز لا علاقة لهم بالثقافة؟ ومع تقديري للأستاذ عدس وقساوة ما كتبه في حق «الترجمة السورية» فقد قرّرتُ بعد عودتي إلى عمان أن أبحث عن المسودة التي أخذتها من الصديق أبو البندورة مع ملاحظاتي عليها باللون الأحمر الذي بهت قليلاً بحكم السنوات الطويلة. ومع مقارنتي بين المسودة وبين الكتاب المنشور وجدت بالفعل تعديلات واجتهادات من جانب المدقق اللغوي في دار الفكر تُشكل القارئ وتجعله يحتار في فهم بعض الأفكار الواردة في الكتاب.
صحيح أن مادة الكتاب تقوم على أفكار مكثفة واستشهادات وتعليقات، وأن الترجمة من البوسنوية إلى العربية ليست سهلة مثل الترجمة من الإنكليزية إلى العربية، إلا أن التعديلات الجديدة التي أضيفت (الاستخدام غير الصحيح للفواصل والنقاط والأقواس ونقص بعض الكلمات الخ) جعلت القارئ يضيع بين ما هو لبيغوفيتش وبين ما ينقله عن غيره أو جعلت بعض أفكاره غير واضحة بالفعل.
ومع الاعتراف بذلك، وهذا من حق القارئ علينا، أرى انه من المستغرب جداً صمت «دار الفكر» عن ذلك واستمرارها في إعادة طبع الكتاب كما هو طيلة سنوات 2002-2015، بينما كان من المفترض إعلام المترجم عن نيتها إصدار طبعة ثانية للتحقق ثانية من بعض المواضع الإشكالية. ولكن هذا كان سيكلف الدار نفقات إعادة صف الكتاب، ولذلك كان الخيار يكمن في التوفير وترك الكتاب على ما هو عليه لكي يجتهد القراء في فهم علي عزت بيغوفيتش. ما حدث مع كتاب «هروبي إلى الحرية» للمرحوم علي عزت بيغوفيتش ليس له علاقة بالتحامل والانحياز فقط بل بالمشهد الثقافي في المشرق وتعاطي دور النشر مع المترجمين والمثقفين وقرارات لجان الجوائز وغير ذلك مما لا يمكن السكوت عليه ولا يجوز معه سوى الاعتذار من روح علي عزت بيغوفيتش.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.