"سالم الدوسري هو أفضل لاعب في الكرة السعودية".. القائل الأمير عبدالرحمن بن مساعد.. النتيجة موجة اعتراض صاخبة، كشفت هشاشة في التعامل مع الرأي، ومع اختلاف المعايير قبل اختلاف الأسماء؛ ففي كل مرة نفتح فيها باب "الأفضل"، نتصرف وكأن العظمة حقيقة رياضية جامدة، لا تحتمل التأويل، والحقيقة أن كرة القدم- مثلها مثل الفن- تُقرأ بالمعايير، والمعايير بطبيعتها تختلف. من يرى أن عدد الأهداف هو المقياس الأعلى سيضع ماجد عبدالله في الصدارة. ومن يقدّم المتعة والموهبة الخالصة سيذهب إلى يوسف الثنيان، ومن يوازن بين الحضور المحلي والدولي والاستمرارية سيستدعي اسم سامي الجابر. أما من يضع التأثير في اللحظات الكبرى والبطولات الحديثة ومعارك الضغط العالي معيارًا؛ فقد يجد في سالم الدوسري اختصارًا لتلك المرحلة، كما لا يمكن تجاهل اختلاف مراكز اللاعبين، فكيف نقارن جناحًا أو صانع لعب بمهاجم صريح؟ أو لاعب طرف بلاعب ارتكاز؟ الأدوار مختلفة، والتأثير مختلف، وحتى طريقة التقييم يجب أن تختلف؛ فمساهمة لاعب في صناعة اللعب، أو كسر النسق لا تقل قيمة عن تسجيل الأهداف، لكنها أقل وضوحًا للجماهير. الإشكال في مثل هذه النقاشات لا يكمن في الاختلاف ذاته، بل في الاعتقاد بأن هناك معيارًا واحدًا صالحًا للجميع، وفي كل الأزمنة، ولكل المراكز، والحقيقة أن كرة القدم- بخلاف ما يظنه البعض- لا تُقاس بمسطرة واحدة، وكل هذه معايير مشروعة، لكنها ليست متطابقة، ومن هنا، فإن رأي الأمير عبد الرحمن بن مساعد- سواء اتفقت معه أم لا – يظل رأيًا مبنيًا على معيار اختاره هو، وهو معيار لا يلزم الجميع، لكنه لا يُلغى لأنه لا يشبه معاييرنا؛ لذلك فإن تصريح الأمير عبد الرحمن بن مساعد لم يكن فتوى كروية، ولا محاولة لإلغاء الرموز، بل رأيًا واضحًا مبنيًا على معيار اختاره صاحبه، والاتفاق معه ليس واجبًا، لكنه يعكس مشكلة أعمق: أننا لا نزال نخلط بين الدفاع عن القناعات وبين رفض الآخر. العظمة في الرياضة ليست لوحة شرف واحدة، ولا اسمًا يُغلق النقاش بعده ، بل هي طبقات، ومراحل، وسياقات. ومن لا يحتمل رأيًا مختلفًا في كرة القدم سيصعب عليه تقبّل الاختلاف في ما هو أهم. ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال: "من الأفضل؟ "ونبدأ بسؤال أكثر نضجًا: بأي معيار؟ وفي أي زمن؟ ولماذا؟ حينها فقط، سيتحوّل الجدل من صراخ إلى نقاش… ومن تعصب إلى فهم.