منذ ظهور علم العروض بصيغته المنهجية كعلم على يد العالم الفذّ العماني الأصل، البصري النشأة، الخليل بن أحمد الفراهيدي ( 100ه – حوالي 170ه )،وحتى عصرنا الحاضر، والمكتبة العربية تزدهر بالعديد من كتب علم العروض والقافية، إلى الحدّ الذي شكّل ظاهرة واضحة للعيان، فما إن تزور إحدى المكتبات الكبرى المتخصصة ببيع الكتب في أي مكان ببيروت أو دمشق أو القاهرة أو الرياض أو مسقط أو أو … حتى تشاهد مئات العناوين في موضوع علم العروض والقافية، مما يترك في ذهنك سؤالاً مفاده: هل هذا العلم بحاجة إلى كلّ هذه المؤلفات والمصنّفات عبر العصور؟.. ألم يستنفذ هذا العلم حاجته من التأليف والتصنيف بعد ؟.. ألا زال هذا العلم يتطوّر من مرحلة إلى أخرى كعلم الكيمياء مثلاً ؟.. وما الجديد الذي اكتشفه علماء العصر الحاضر في هذا العلم حتى نراهم يواصلون الكتابة فيه ونشر كلّ هذه العناوين الجديدة في مجاله؟ من المعروف أن الخليل واضع هذا العلم قد استنفذ كلّ دقائقه وشؤونه بنظام الدوائر التي وضعها مستفيداً من علم الرياضيات والرسوم الهندسية في تقسيم هذه الدوائر التصنيفية للأوزان المستعملة، وإهمال الأوزان المهملة، اعتماداً على ( المنهج الوصفي ) في استقراء ما هو مستعمل وما هو مهمل حسب قراءته للواقع العربي وقتئذٍ من خلال السماع ومن خلال ما هو مطبوع من دواوين وكتب ومصنفات تطرقت للشعر العربي بمختلف عصوره، وبشيء من التدقيق لعصرنا الحاضر نلاحظ أنه لا تغيير يُذكر فيما اكتشفه الخليل إلا اللهم ما أضافه علي أحمد باكثير في ثلاثينيات القرن الماضي من استخدامه الشعر المرسل، ومن ثم قيام نازك الملائكة وبدر شاكر السياب بإشاعته في الأربعينيات من القرن الماضي كشعر تفعيلة لا يتقيد بقافية العمود الشعري، والخليل بن أحمد الفراهيدي غني عن التعريف فهو: " أبو عبد الرحمن ، الخليلُ بنُ أحمدَ بنِ عمرِو بنِ تميمٍ، البصريُّ الفَرَاهِيدِيُّ الأزَدِيّ الَيحْمَدِيُّ ، ويقال : الفُرْهُودِيّ انحدر من قريةٍ عُمَانيِة إلى البصرة، وولد سنة مئة هجرية وتوفي سنة 170 ه، وقيل 175 ه ، وقيل 160 ه، وقيل غير ذلك" كما ذكر ذلك الدكتور يوسف بن محمود فجّال في (الخليل بن أحمد عبقري العلماء) ص: 4. ويحقّ لعمان الافتخار بهذا العَلَم الذي انطلق من أرضها إلى رحاب شعراء العربية عبر العصور، كما يحق للعراق أن تفتخر به أيضاً لأنه عاش حياته العلمية فيها، كما جاء في كتاب (عبقري من البصرة ).. وقد أصبح علم العروض من العلوم التي سادت منذ ظهورها ولا زالت تسود وتطبع فيه المؤلفات والكتب والمصنفات، ولا زالت البحوث تترى في دقائقه وتفاصيله، وقد امتلأت رفوف مكتبتنا العربية بهذه الكتب ، حتى شكّلت ظاهرة واضحة للعيان، حيث نلاحظ كثرتها رغم التكرار المُملّ لأغلب ما جاء فيها، إلى الحد الذي يمكن تسمية هذه الظاهرة بالتشبّع الاستعراضي، ونحن من خلال هذا المقال سنسلّط الضوء على أسباب كثرة هذه الكتب وهذه الإصدارات والتصنيفات في هذا العلم، وإني من خلال إمعان النظر في هذه الظاهرة أحيلها للأسباب التالية: 1- بعض من يكتب في هذا العلم من المعاصرين يكتب على سبيل الاختصار والتبسيط، لإيصاله بشكل مفهوم وسلس للفتية والفتيات لفهم دقائقه وتفاصيله بشكل مُبسط، وهذه الكتب كثيرة ويغنينها منها أي كتاب من هذا النوع يكون قد كُتب بإسلوب مناسب وكفى، وعلى سبيل المثال لا الحصر كُتيب ( جوهر العروض ) ل علي المحمد علي، الصادر عام 1430ه. 2- بعض من يكتب في هذا العلم من المعاصرين يكتب على سبيل الاجتهاد بتقليص بعض المطالب والأبحاث لدى الخليل بن أحمد الفراهيدي، كأن يحذف العديد من المصطلحات الزائدة عن الحد ويقللها قدر المستطاع، وهذا الاجتهاد في مكانه ولكن البعض لا يحبّذه لأن المصطلحات رغم كثرتها يمكن الوقوف عليها وحفظها وحفظ الحالات التي تشير إليها بكثرة الاطلاع والحفظ، وقد اجتهد العلامة الدكتور عبد الهادي الفضيل – رحمه الله – مؤسس قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز بجده، بتقديم كتاب جميل عنوانه (علم العروض نقد واقتراح)، وهو جدير بالدراسة لأنه أقرب للمنهج الحديث من المناهج القديمة، وأقرب لنظرية تعلّم علم العروض من المثال للقاعدة التي أنتصرُ لها. 3- بعض من يكتب في هذا العلم من المعاصرين يكتب على سبيل استفادة قصيدة التفعيلة من هذا العلم، وهذا كُتب فيه الكثير أيضاً منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين الماضي، أبّان ظهور قصيدة التعيلة في ساحتنا العربية، ويمكن دراسة الظواهر الجديدة التي ظهرت في قصيدة التفعيلة كالانزياح الزائد، وخلط بعض الأبحر مع بعضها البعض، وظواهر أخرى، وخير من كتب في ذلك نازك الملائكة في كتابها ( قضايا الشعر المعاصر). 4- بعض من يكتب في هذا العلم من المعاصرين يكتب على سبيل الإضافة لأبحر كان الخليل بن أحمد يعدها من المهملات، ولكن هؤلاء الكتاب يريدون إحياء هذه الأوزان لأنهم يرون أنها فرصة لإنطلاق الشاعر بأوزان أخرى غير معهودة، كما فعل الشيخ الدكتور محمد صادق الكرباسي في كتابه ( هندسة العروض )، وفي رأيي أن هذه الأبحاث جديرة بالدراسة ولكنها تكون محكومة بتقبّل الأذن العربية الحديثة لها أو عدم تقبّلها. 5- بعض من يكتب في هذا العلم من المعاصرين يكتب على سبيل استعراض العلم واستقصاء مطالبه وأبحاثه، ولكن بإسلوبه الخاص، وهذا لا يقدم أيّ إضافة تُذكر وإنما يكرر ما تم ذكره سابقاً بأسلوب آخر، فأين الجديد في ما قدّمه؟.. وأمثلة ذلك كثيرة جداً، ولكننا لا نستنكر هذا الطرح إذا تم تقديمه بالأسلوب الجميل الذي يحبب القرّاء إلى هذا العلم. وحتى لا تصبح إصداراتنا في علم العروض مكرورة أو بدون إضافة تستحق أن تُذكر، علينا أن ندرس هذا العلم دراسة دقيقة، لمعرفة كل تفاصيله ومن ثم علينا الحكم، هل إن الأوائل منذ الخليل قد استقصوا كلّ شيء فيه أم أن أبحاثنا الجديدة ستضيف أشياءً أخرى لم يتطرق إليها الأوائل، إن كان هذا هدفنا فنحن نسير في الطريق الصحيح ونأخذ بالمنهج العلمي القويم. هذه الرؤية التي لخصتها في النقاط الخمس السابقة، هي مجمل نظرتي العامة للكم الهائل من الكتب في علم العروض، أما حديثي عن المبتدئين في الشعر، فأنصحهم بكتاب أو كتابين بحيث يجتهدون في قراءة هذا العلم من خلالهما، وأن لا يتم الاستغناء عن الأستاذ والمُعلّم فدوره سيكون رائداً في توضيح المعضلات في هذا العلم وتبسيطها، وإن كنت من أنصار تعلّم هذا العلم بطريقة كثرة قراءة الشعر بالصوت لتعويد الأذن على سماع الشعر العربي الفصيح والمُعرب على مختلف البحور الستة عشر، والأوزان التي تزيد عن خمسين وزناً، وكذلك كثرة حفظ ما جاد به كبار شعراء العربية عبر التاريخ، فبالحفظ نزوّد أدمغتنا بقاموس كبير من المفردات والمعاني والصور البيانية، والبلاغة والبديع، وكذلك نتزود بحفظ الشعر بالكثير من الثقافة الشعرية كما قال بها أستاذنا السيد مصطفى جمال الدين في إحدى لقاءاتنا به عام 2004م بدمشق، وبهذه الطريقة سنصل إلى دقائق علم العروض والقافية بطريقة الإتقان من المثال إلى القاعدة، وليس من القاعدةِ إلى المثال، تماماً كما تعلّم الأوائل من شعراء العربية قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي والأخفش عقيل بن ناجي المسكين [email protected]