الفكر المؤامراتي والتآمري، يجسد اختزال فكرة واحدة وهي الضدية، وقولبة الأمور ضد كل شيء وإسقاطها كما لو كانت مخططا لها مسبقا. لطالما اسُتخدمت عبارة (نظرية المؤامرة) في شعوبنا العربية بشكل مبالغ فيه، كشماعة للفشل، والهروب من الحقائق المرة. يخطئ الوزير، فيبحث عمّن آثار غبار القضايا من حوله، ويبدأ بتشغيل ملكات عقله (المعطلة عن أهدافها الرئيسة) بحثا عمّن كشف الحقائق! والنتيجة مشجب المؤامرة! ثمة مؤامرات سياسية واقتصادية واجتماعية بل حتى رياضية، تندرج تحت مسميات أخرى. لكن القضية ليست (متنفسا) للهروب! في الغرب، وأعني غرب الوجهة لا التوجه، كتب دانيال بايب مقالا رائعا وخطيرا عن نظرية المؤامرة، وآثارها المخطط لها سلفا على جهاز الاستخبارات الأمريكي (CIA)، لكنه، كالآخرين، عجز عن إثبات تلك المؤامرات. وهنا يكمن الفرق. هنا وهناك، نطلق هذا الفكر لعنان السماء؛ هربا من مشاكلنا وواقعنا، دون إثبات! وحتى الغرب يعاني من نظرية المؤامرة؛ لغياب المنهجيات والأدلة القاطعة في إثباتها. أحاديث، وكلام، منه ما هو نابع عن جهل مدقع، ومنه ما هو موجه تماما. أم نوم تشومسكي، أوكما يسميه العرب (نعوم)، أحد المفكرين الغربيين وباحث سياسي معارض للصهيونية رغم ديانته اليهودية، جاء بمدرسة تعارض هذه التوجه. يعارض تشومسكي هذه النظرية المؤامراتية من خلال عرضه لما أسماه ب (التحليل المؤسساتي) الذي غالبا ما يركز على منهجيات المؤسسات وسلوكها، وآلية اتخاذ القرارات فيها. في سلسة مقالات له، ذهب إلى أن المؤامرة ونظرياتها هي مَن قادت الشعوب (الفقيرة) علميا وتقنيا ومعلوماتيًّا إلى تصديق افتراءات (ساسة) المؤسسات. وهذه المؤسسات قد تكون كيانات تجارية، وقد تكون (دول)، وقد تكون (منظمات) توظفها دول. في حديث رئيس الوطني محمد القاضي عن تأجيل نزال فريقه أمام الهلال في برنامج الجولة مع عادل الزهراني بل فترة، حضرت رائحة تلك النظرية، وكالعادة، دون دليل، ولا حتى توجه مؤسساتي. مجرد نظريات تشرّبها القاضي كغيره مؤداها أن الهلال فريق فوق القانون، وأنه مُسيّر لأنظمة البلد الرياضية، وهو افتراء وكذب لا دليل عليه. للقاضي الحق في التظلم من عدم وصول (وريقة) فنية تخبره بالتأجيل، لكن ليس من حقه إيغال الصدور الرياضية ضد الهلال أو غيره، وتمرير رسائل مبطنة. رسائل تصور الهلال كما لو كان الحاكم بأمره في الكرة السعودية! للهلال مكانة في عالمنا الرياضي، كما بقية الأندية، كالاتحاد والشباب والأهلي والبقية، لكن أمام القانون، يتساوى الهلال وغيره مع آخر فريق قابع في دوري الدرجة الثانية. تأجيج القاضي للقضية برمتها، وتأزيمها بشكل مبالغ فيه، وتهديده بتقديمه الاستقالة فيما لو أقر التأجيل، تكشف لنا خللا في فكر بعض رؤساء أنديتنا! استقالة بسبب ورقة إخطار عن تأجيل مباراة عيب!