مات بوبروفسكي في سن مبكرة. عاش فقط 48 عاما، لكنها كانت كافية لتمنحنا شاعرا عظيما، كان بوبروفسكي معتزلا وصامتا ولا ينشر إلا نادرا، لكن رغم هذا الصوت الخافت كان يصرخ صراخا هائلا. كلماته تحتج بصيغ سحرية وذاكرة مجروحة. نوع من النداء صوب ليتوانيا، التي يحلم بجغرافيتها، سهولها وثلوجها، وديانها وذئابها، تلتحم كلماته بتجربته في الحياة المضمخة بمآسي الحرب. لكنها أيضا تزدهي بمخيلته الخصبة بين عالم سحري ممتد في التاريخ البروسي وعالم واقعي ممتد في طبيعة البلطيق. يختلط وعيه التاريخي بطريقته في الكتابة، ورؤيته الثاقبة إلى العالم من خلال صبيب من الأحاسيس الفورية، التي تتحول تدريجيا إلى مخزن من الرموز عن الحرب العالمية وما بعدها ومآسيها وضحاياها، إنه بحق شاعر ألمانياالشرقية الأول، الشاعر الغنائي الأكثر شهرة والأكثر غربة خلال الحكم الشيوعي يقول في إحدى قصائده: (لست من هنا / أبحث عن مكان/ ليس أوسع من قبر، فوق جبل صغير/ فوق المراعي. من هنا/ يمكنني رؤية /النهر). لكلماته قوة ترميم وتشييد لذاكرة متلاشية لوطن جريح، وفي كلماته أيضا حنين جارف للماضي حينما كان البولنديون والليتوانيون وغيرهم من الأقليات يعيشون في انسجام كبير وسلام دائم. ولد الشاعر بوبروفسكي في 9 أبريل 1917 في تيلسيت في «بروسيا الشرقية» ، بالقرب من بحر البلطيق، هذا العالم الذي سيصبح منبع فتنة وسحر دائمين، كان والده عامل بالسكة الحديدية وأمه ابنة صانع للأجراس، درس بميمل (نيمين) وكينغسبرغ. قضى طفولته في ليتوانيا لدى جده. درس أيضا بعض الآلات الموسيقية كالأرغن والإيقاع والموسيقى الباروكية وكان بارعا في العزف. ما بين 1935 و1945 استدعي للتجنيد ضمن الجيش الألماني، فأرسل إلى الجبهتين البولندية ثم الروسية. شاهد عن قرب هول الجرائم النازية، وفي سنة 1942 أرسل إلى بحيرة إلمين، بالقرب من نوفغورد بروسيا، رسبت هذه البحيرة في وجدانه طوال حياته ذكريات حميمة عن المكان والإنسان، في هذا الوقت بالتحديد بدأ الشاعر بكتابة قصائده الأولى. اعتقل على الجبهة الروسية وأرسل للعمل في منجم للفحم مدة أربع سنوات، وفي 1949 أطلق سراحه، وأقام في برلين في نفس السنة، وفي سنة 1951 نشر ديوانه الأول «زمن السارماتيون» في 1962 حصل على جائزة المجموعة 47، وفي عام 1964 صدرت تحفته الشعرية: «طاحونة ليفين» . توفي بوبورفسكي في 2 شتنبر 1965 نتيجة علاج سيئ لالتهاب الغشاء البطني المصلي، في الوقت الذي بدأت فيه أخيرا شهرته الشعرية تنتشر بين الأوساط الثقافية ومعها الاعتراف والتقدير لأحد أهم شعراء اللغة الألمانية، وفي سنة 1982 صدرت أعماله الكاملة في أربعة مجلدات. بحيرة إلمين الروسية التي أحبها الشاعر وتغنى بها. السهل البحيرة، البحيرة تغمر الضفاف وأسفل الغمام مرتفعات بيضاء تتوهج منذ آلاف السنين بشعوبها الرعويين مع الريح تسلقت منحدرات الجبال وهناك سأعيش.. كنت قناصا.. لكن العشب أسرني. علميني أن أتكلم: عشبا وأن أموت وأنا أصغي مليا علميني أن أتكلم، حجرا. أيها الماء، علمني البقاء وأنت، أيتها الرياح، لا تستفسري عني كثيرا. طريق الطير أنام تحت المطر بين قصب المطر أستيقظ قبل أن يورق كل شيء، وأرى اقتراب القمر، أسمع صياح الطيور المهاجرة ضوضاء الهواء، الصياح الأبيض الذي يقطع الهواء إربا. بسرعة وحيوية كما الذئاب الراكضة أختاه اسمعي الواينيمونين! تغني عبر الرياح، وتلقي جناحها الثلجي على عاتقك، ننجرف فوق الريش مع رياح الغناء ولكن في سماء فسيحة، وحدها، والطرقات المهملة من طرف جحافل الطيور، التي تذهب للنوم فوق الريح تعبر شمسا جديدة اللهب تدفقت، فأحرقت شجرة رمادية. هناك طارت وأغانينا أيضا أختاه، يداك المبيضة تواصل في ظلماتي نومها – متى سأغني خوف الطيور؟