إن من يراجع تاريخ الحروب الأهلية يجد أنها تحدث نتيجة وجود تراكمات طويلة بين فئات المجتمع تجعل التعايش بينها مستحيلا، وتأتي عادة ظروف أو حوادث ما تكون هي الشرارة لهذه الحرب، أي أن الحرب الأهلية تحدث وتقع ولا تعلن كما يحصل في الحروب بين الدول، ولكن لم يحدث أن كان طرف أهلي خصوصا إذا كان يدعي أنه يمثل الدولة والشرعية أن سعى بنفسه لإشعال الحرب الأهلية، كما هو الحال بالنسبة للنظام السوري اليوم، حيث أصبحت الحرب الأهلية بالنسبة له هي خيار استراتيجي مدروس يسعى إليه النظام، بل نستطيع أن نقول أنه أصبح الخيار الوحيد المتاح أمامه لكي يحتفظ بوجوده على رأس السلطة، أي بمعنى آخر إن النظام السوري لم يعد يتوهم بأنه يستطيع أن يعيد سيطرته على أغلب المناطق السورية سواءفي حلب ودير الزور وإدلب ودرعا أو حتى دمشق، فهو لا يسعى من خلال هذا القصف العنيف والقتل المنهجي لاستعادة هذه المناطق كما يعتقد الكثيرين. فهو يدرك استحالة هذا الأمر لعدة أسباب منها توازن القوى على الأرض الذي بدأ يميل ولو ببطء لمصلحة الجيش الحر، لكن السبب الأهم هو استحالة تمكن النظام من إعادة بناء شكل من أشكال السلطة مع شعب أصبح غارقا بدماء الأبرياء من أبنائه في المناطق الثائرة حتى أذنيه، وتكمن الخطة الخفية الخبيثة للنظام بدفع الأمور في سورية لحرب أهلية واقتتال أهلي واسع النطاق ذو شكل طائفي صريح، وهذا ما سعى إليه بارتكابه مذابح شنيعة كان آخرها مذبحة داريا. فلو راجعنا الطريقة التي تمت بها هذه المذابح لأدركنا أنها تسعى لاستجلاب ردود فعل طائفية، فهي كانت دائما تتم على أيدي عصابات الشبيحة من الطائفة العلوية وكانت تستهدف أحياء من الطائفة السنية، والإصرار دائما على وجود الشبيحة وأن يقوموا هم بالقتل مما يجعل الغضب بشكل واع ولا واع ينصب على الطائفة العلوية بدلا من الجيش كمؤسسة. وذلك لدفع الجيش الحر للقيام بارتكاب مذابح مماثلة في أحياء وقرى علوية، وسيقوم النظام بعدها بتصعيد القتل بطريقة يبدو أمامها الوضع الحالي مجرد مزاح بل أكثر من ذلك، أتوقع أن النظام سيقوم هو بنفسه في الأسابيع القادمة بارتكاب مذابح شنيعة ضد العلويين ونسبها للجيش الحر إذا فقد الأمل من قيام الجيش الحر نفسه بذلك، الأمر أن هذا التوقع لما يسعى له النظام يبدو غريبا وجنونيا، لكنه يبدو أكثر من محتمل لكل من يعرف هذا النظام جيدا وما يمكن أن يفعله للحفاظ على السلطة، وسيسعى هو غالبا في الوقت المناسب للمطالبة بالتدخل الدولي بحجة حماية الأقليات في سورية من التعرض لمذابح واسعة النطاق، مما يجعل التقسيم أمر واقع، وقد يدفع المجتمع الدولي الذي سعى لإزاحة النظام عن السلطة أن يقوم بنفسه وعلى حسابه الخاص لإقامة الدولة العلوية للخروج من مأزق الدم والمذابح الطائفية الطابع الذي سيخلقه النظام بنفسه ومع سبق الإصرار .