وظائف شاغرة لدى الزكاة والضريبة والجمارك.. التخصصات والشروط    فيصل بن فرحان يبحث مع وزير خارجية قطر تعزيز بما يخدم المصالح المشتركة    مبنى قنصلية المملكة في دبي يتوشح باللون الأخضر بمناسبة اليوم الوطني 91    محافظ محافظة بلقرن يهنئ القيادة باليوم الوطني ال ٩١    مصاب السرطان الطفل الصيعري يشارك فرحة اليوم الوطني من أمريكا    مثقفات وأكاديميات ل : فخورات بإنجازات الوطن    أسعار النفط ترتفع بحوالي 1.1%    تصميم أكبر مجسم فني في العالم لخادم الحرمين وولي العهد    100 منتج سعودي هدية للوطن    الملتقى الأول: مؤشرات رقمية لمنجزات المرأة السعودية 2021 (واقع.. وطموح)    تويتر: منع اختفاء التغريدات أثناء قراءتها    «ثغرة» تهدد 2.7 مليار مستخدم ل«جوجل كروم»    شاحن عالمي موحد لجميع الهواتف    واشنطن: شراكتنا العسكرية مع السعودية من مصلحتنا الإستراتيجية    اليوم الوطني.. فرحة شعب يغمره التفاؤل بمستقبل أجمل    أتالانتا يختبر إنتر إينزاغي    ريال لمواصلة تحليقه.. وكومان تحت مزيد من الضغط    قمة الدوري الإنجليزي تجمع تشلسي والسيتي    الشيخ صقر بن سعيد    د. محمد جعفر الغامدي    الشورى يكون لجانه المتخصصة لسنته الثانية    بيان أمني بشأن 29 مواطناً ألقوا عبوات بلاستيكية على المارة بالطائف    جمعية التنميةالنسائية بمحايل عسير تحتفي بعيد الوطن ال٩١    المجلس العربي للطفولة: المملكة رائدة في البحث العلمي    «سنوات الجريش» يعيد زمن الحرب في رمضان المقبل    بلاد ألفناها على كل حالة    محافظ القريات يرعى حفل الأهالي باليوم الوطني91    شؤون الحرمين تؤهل 600 موظفة    أستاذ فيروسات يكشف سبب استمرار فقدان الشم بعد التعافي من كورونا    لقاح كورونا عبر بخاخ للأنف    هي لنا دار.. وهو لنا فخر    وفاة شاب عشريني بعد شرب 1.5 لتر كوكاكولا في 10 دقائق.. ماذا حدث؟    وزير الخارجية: المملكة تسعى لتطوير العلاقات مع الدول كافة    المعلمي: البنية التحتية الرقمية للمملكة مكّنت القطاعين العام والخاص من مواجهة كورونا    القبض على 29 مواطنًا رموا المارة بعبوات بلاستيكية في الطائف    ( رسالة إلى أحدهم!! )    أمين منطقة عسير يقف على معالجة التشوهات البصرية في أحدرفيدة*    جمعية الجنوب النسائية تشارك باليوم الوطني    مشاركة البطل محمد بن رشيد العتيبي في بطولة مستر أولمبيا بأمريكا    منسوبو أمانة عسير يحتفلون بذكرى اليوم الوطني ال 91    مدير تعليم رجال ألمع المكلّف :اليوم الوطني فرصة تأمل في تاريخ عريق ومستقبل مشرق".    الرئيس الفلسطيني يلوّح بسحب الاعتراف بإسرائيل    نسخة افتراضية تدعم التحول الرقمي لمعرض الرياض الدولي للكتاب    "التعاون الإسلامي" تدين استهداف الحوثي للمدنيين في أبها بطائرة مفخخة    "الصحة": تسجيل 51 حالة إصابة بكورونا.. وتعافي 59 خلال ال24 ساعة الماضية    ذكرى اليوم الوطني السعودي 91    يزيد الراجحي يرفع آيات التهاني والتبريكات بمناسبة اليوم الوطني    خطيب المسجد الحرام: علموا أبناءكم أن الوطنية إخلاص وعمل وبناء (فيديو)    أرامكو: توفير 57% من الاحتياجات من موردين داخل السوق السعودية بقدرات تنافسية عالمية    طقس الجمعة: هطول أمطار رعدية بالمدينة ومكة والباحة وجازان    الفيحاء يزيد جراح الأهلي بهدفين    محتجون يحتلون مقر البورصة البرازيلية بسبب الجوع    المفتي المعزول يحرض الليبيين على إسقاط مجلس النواب    العميد البنيان: القيادة مكنت الشعب السعودي من الارتقاء عالميا                فرع هيئة الأمر بالمعروف بمنطقة الرياض ينهي استعداداته لليوم الوطني91    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخيال و التخيّل لدى هيلين كيلر
نشر في عكاظ يوم 30 - 07 - 2021

توقفوا عن التفكير لحظات وحاولوا تصفية الذهن تماما عن كل ما يُشغله ثم اغمضوا أعينكم وتخيلوا مشهد ماء يتدفق من صنبور ثم افتحوا أعينكم. السؤال: هل كانت تلك العملية التخيّلية مُتعبة بمعنى هل وجدتم صعوبة في استدعاء مشهد الماء من ملفّات الذاكرة في أدمغتكم؟ أكيد لا فالعملية سهلة جدا لأننا جميعا قد شاهدنا مرّات لا تُحصى مياها تتدفق من أماكن عدّة وأيضا لأننا نعرف ماهيّة الماء ذلك السائل الذي لا يُمكن أن تستغني عنه الكائنات الحيّة أو النباتات.
قد يسأل سائل وما مناسبة تخيّل مشهد ماء يتدفق من صنبور فهل انتهت حكاياتكم ايها الكَتَبة ونضب معينكم فركبتم موجة ما يسمى بتطوير الذات وقسطرة العقليات وإخراج العفاريت والجنيّات!
فأقول بل الحكاية حقيقية لكنها أشبه بالمعجزات قد وردت في كتابٍ للتو انتهيت من قراءته عن الأديبة الأمريكية هيلين كيلر المولودة في أواخر القرن التاسع عشر والتي اُصيبت بالحمى القرمزية أو ما يُسمى التهاب السحايا مما أدى إلى فقدانها حاستي السمع والبصر وهي لم تُكمِل بعد عامها الثاني ومن هنا بدأت الطفلة هيلين بمواجهة حياة غير مكتملة إن جاز الوصف فنشأت وهي لم تُراكم في ملفات ذاكرتها الاّ أسماء لأشياء محدودة جدا بل إنها لم تك تعرف وقتذاك ماذا يطلق على الشجرة، الزهرة، الكأس، التفاحة، أو الماء الى آخر تلك القائمة.
حين أدرك والد ووالدة هيلين تلك الصدمة المروّعة ووجدا نفسيهما عاجزين عن تعليم الطفلة حتى أبجديات المعارف لجآ الى الآنسة آن سوليفان وهي الأخرى قد عانت من ضعف البصر فقررت تحدي الإعاقة وتعلّم أساليب تعليم المكفوفين القراءة والكتابة، لكن حالة الطفلة هيلين كيلر أصعب بكثير من مجرّد كف البصر فهي غير قادرة على الكلام بسبب الصمم فإعاقتها مزدوجة وبالتالي تعليمها يحتاج إلى مضاعفة الجهد بل وابتكار اساليب أخرى لإيصال المعلومات والمعارف الى عقلها الغض وهنا تكمن المعجزة.
أولى الصعوبات التي واجهت المُعلّمة آن سوليفان هي نفور الصغيرة هيلين منها وعدم تقبل حتى وجودها ناهيك عن قبول تعليماتها كمربية ومعلّمة، وبالرغم من محاولة والديها اقناعها إلاّ أن الطفلة العنيدة الغاضبة من كل شيء أصرت على نفورها من مُعلمتها.
لم تيأس آن سوليفان رغم شكوك أسرة هيلين في قدرتها على أداء المهمة الشائكة بنجاح.
المفاجأة أن استطاعت تلك المعلّمة الفذّة بكل صبر ومهارة التقرّب من هيلين ومن ثم تعليمها. مفتاح النجاح الذي فك مغاليق توصيل المعارف والمعلومات هو أصابع اليدين، نعم فبواسطة اصابع الصغيرة استطاعت آن سوليفان التواصل معها ومن ثم التقرب منها وبالتالي ايصال ما تود تعليمها إياه.
أعود لفاتحة حديثي هذا حين طلبتُ منكم تخيّل مشهد الماء المتدفق من الصنبور وهو الحدث الأهم من وجهة نظري في حياة الأديبة الأمريكية هيلين كيلر المُسطّرة في كتاب (قصّة حياتي) فما الذي حدث؟
بعد أن توثّقت العلاقة بين المُعلّمة آن سوليفان والصغيرة هيلين كانت الأولى تأخذها في نزهات عبر الحقول القريبة من منزل الأسرة وتعرّفها على مكونات الطبيعة بملامسة الأشياء أو شمّها ومن ثم التعريف بمسمياتها عن طريق ملامسة الأصابع وتهجئة حروف الأبجديّة.
في إحدى تلك النزهات شاهدت المُعلّمة أحد الفلاحين يستخرج الماء من البئر بتحريك المضخّة فوجدتها فرصة لتعليم هيلين كلمة (ماء) فأخذت يدها تحت الماء المتدفق فشعرت الصغيرة بذلك الشيء البارد الذي يُلامس يدها بنعومة فسألت بأصابعها عن اسم ذلك السائل السحري فأجابتها آن سوليفان عن طريق المُلامسة أيضا بأنه الماء. شعرت هيلين كيلر بسعادة غامرة بتلك التجربة وانطبع من تلك اللحظة شكل الماء في خزّان ذاكرتها.
إن تلك الطريقة العبقرية في التعلّم أنتجت لعالم الأدب أديبة فارطة الخيال والتخيّل لأنها المَلَكة التي لم يُصبها العطب بسبب ذلك المرض اللعين الذي اغتال سمعها وبصرها وبالتالي تم استغلال مهارة التخيل وتكوين المشاهد ومن ثم تخزينها واسترجاعها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
بالتخيّل أصبحت هيلين كيلر من أبرع أدباء جيلها إذ وصف النقّاد كتابها الأول الذي نُشر في عام 1903م بأنه عمل رائع وبعدها كرّت السبحة بسبعة عشر كتابا ومسرحية.
توقفتْ دهشتي وتساؤلاتي عن سرّ ذلك الإنتاج الغزير لأديبة تعاني من فقدان حاستي السمع والبصر حين قرأت مقولتها (الحياة إما مغامرة جريئة وإما لا شيء) عندها عرفت سبب عجز الكثير من الأصحّاء الذين يتمتعون بكمال الحواس ويستطيعون الحصول على المعلومة أيا كانت بلمسة رقيقة على شاشة صغيرة عن مجاراة تلك المرأة المُعجزة.
قادتني تلك الحقيقة إلى «اتهام» وسائل الاتصال والتواصل الحديثة بجناية تعطيل مهارة الخيال لدى البعض حين تخلّوا عن أدوات التخيّل والاكتفاء بالتحديق في تلك الشاشات الصغيرة التي تعرض لهم كامل الأحداث بتفاصيلها فلماذا وجع الدماغ؟ ولعل هذا الاتهام يُجيب على السؤال المتكرر هل يوجد اليوم من يقرأ كلامك هذا؟
أيها الناس يا من تدّعون عدم توفر الوسائل الجاذبة الماتعة للتعلّم هلاّ عُدتم إلى القراءة تلك الممارسة التي تشحذ الخيال وتُنمى مهارة التخيّل وتُطلق الذهن للسياحة في فضاءات المتعة الفكرية.. جرّبوا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.