وفاة الأميرة طرفة بنت سعود بن عبدالعزيز    وزير الطاقة: استحداث أنماط جديدة لاستغلال البترول والغاز    صندوق الاستثمارات العامة يبتلع البطالة ب 1.8 مليون وظيفة    توقيع 150 اتفاقية شراكة لتسهيل إجراءات التمويل العقاري المدعُوم    تأسيسي شركة أمانة عسير يعقد اجتماعه الأول    الإمارات تدين بشدة محاولة مليشيات الحوثيين استهداف «الرياض»    "الشورى اليمني" يدعو إلى التعاطي الإيجابي مع قرار تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية    الشباب يمطر شباك الوحدة برباعية    اليابان تفوز على البحرين في الدور الرئيسي بمونديال اليد    «العدل»: «نظام التوثيق» تطور تشريعي يعزز مرونة الأداء    جامعة حائل تحصل على الاعتماد المؤسسي    المغرب تسجل 337 إصابة جديدة بكورونا    أمير تبوك يرأس اجتماع مجلس المنطقة غداً    الاتحاد الآسيوي يُلغي 4 بطولات .. ويُعيد جدولة بطولتين    انطلاق دورة الحكام المستجدين بالزلفي    مركز (911) يستقبل عدداً من سفراء الدول الأوربية    مباحثات أردنية أوكرانية حول سبل التعاون والمستجدات الإقليمية    شؤون الحرمين تباشر أعمال تنظيف وتعقيم سطح الكعبة المشرفة        القيادة تهنئ رئيس البرتغال بفوزه بولاية رئاسية ثانية    الفيصلي يعرقل الهلال بتعادل في الدقائق الأخيرة    صيانة ونظافة الحدائق العامة وتأهيل المسطحات الخضراء بمكة المكرمة    إغلاق 9 منشآت تجارية مخالفة بالمعابدة وضبط بائع للأسماك بالعمرة بمكة    سمو نائب أمير منطقة جازان ينقل تعازي القيادة لذوي الرقيب أول الغزواني    فرنسا تدعم اليونان بالمقاتلات والفرقاطات    دكتورة عبلة الكحلاوي.. وداع مهيب لابنة "مداح النبي"    محافظ محايل يؤدي صلاة الميت على الجندي أول عبدالعزيز الصعيبي    أمانه نجران ترفع أكثر من 4158 متراً مكعباً من الأنقاض لتحسين المشهد الحضري    وزير الإعلام اليمني يؤكد أهمية توحيد الجبهة الوطنية    شراكة بين «كاوست» وملتقى مكة في «أفكار وحلول الحج»    "سباقات الخيل" يصدر قائمةً مبدئيةً لكأسي خادم الحرمين لخيلي الإنتاج المحلي والمفتوح    القوات الخاصة للأمن البيئي تضبط عددا من مخالفي نهل الرمال وتجريف التربة بمنطقة الرياض    أمير تبوك يتفقد جاهزية مركز لقاح كورونا بالمنطقة    قوات الاحتلال تمنع لجنة إعمار الخليل من استكمال ترميم الحرم الإبراهيمي    لوحات تشكيلية وفوتوغرافية تزين مطار عرعر    جامعة حائل تطلق برنامجاً تعريفياً للجينوم السعودي    الشورى يؤيد تعديلات مجلس الوزراء ل«نظام التخصيص»        #الصحة : إستمرار إرتفاع أعداد الإصابات وتسجيل (213) حالة مؤكدة    ضبط مواطن أساء لرجال الأمن على مواقع التواصل    "تقويم التعليم" تمنح شهادات اعتماد أكاديمي لمجموعة من المؤسسات والبرامج    الأسهم الباكستانية تغلق على ارتفاع بنسبة 0.48 %    نائب #أمير_جازان يتسلم تقرير توطين وظائف التشغيل والصيانة بالجامعة    مكتبة المؤسس تطلق موسمها الثقافي عن أدب الطفل للعام 2021    الدفاع المدني يحذر من مخاطر السخانات الكهربائية    في خطوة غير مسبوقة.. إجراءات لتفعيل الوقف ب #تعليم_عسير    سمو أمير الرياض يستقبل الفائزين ببطولة سموه لقفز الحواجز    وزارة الصحة تطلق خدمة "العيادات عن بعد"    أكثر من 56 ألف مستخدم عبر برنامج "رافد" للتعليم عن بعد بجامعة الباحة    انطلاق اجتماعات وزراء الخارجية الأوروبيين في بروكسل    "المظالم": 655 ألف مستفيد من خدمة "معين"    الولايات المتحدة تسجل أكثر من 130 ألف إصابة جديدة بكورونا    هيئة الامر بالمعروف بالحدود الشمالية تواصل تفعيل حملتي "الصلاة نور" و "الخوارج شرار الخلق" بالمجمعات التجارية    السديس يدشن مبادرات التقنية لمعهد وكلية المسجد الحرام    عكاظ تنشر أبرز الملامح.. نظام جديد للأحوال الشخصية    عبدالله مناع بقية من جذوة الرواد    بأمر الملك ضم «الإسكان» إلى «البلدية والقروية».. والحقيل وزيراً لها    د. حسن سليمان من حقه علي أن أرثيه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سكة الحنين الطويلة !
نشر في عكاظ يوم 27 - 05 - 2020

كما ذكرت من قبل، وأكرر التذكير، فإن مشربية الحكي في حاجة دائماً إلى عاشق ومعشوق، وبالطبع تحتاج إلى حكايات عشق، تجمع القلوب، وتقرب المسافات والأزمنة، وتحول الحكي نفسه إلى متعة وبهجة، والمعشوق الذي أرغب في الحكي عنه اليوم، هو أعز الولد، الأحفاد، والعاشق الجد والجدة، وكيف اختلفت صورة العلاقة بين الاثنين، من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وذلك بفضل البعد الجغرافي، والاغتراب، وكيف أن الاتصال اختلف، من التواصل الحميم المباشر، إلى التواصل الإلكتروني، في عصر الميديا الحديثة، وزمن الكورونا البغيضة، لا أنسى ولن أنسى، جدي لأبي، ذلك الرجل عالي الهامة، طويل القامه، كنت «أمط» رقبتي وأتطلع إلى أعلى لأنظر إليه، كان يبدو بالنسبة لي، كائنا أسطوريا، بفعل ضآلتي الشديدة وضخامته، عشت معه أجمل سنوات طفولتي المبكرة، كنت الطفل الذكر الأصغر بين أخوات أربع، كان كل عالمي في طفولتي، كان يصطحبني معه في عز البرد «المكاوي» يلفني تحت عباءته ويطوقني بذراعيه، ينتقل بي من حي «شعب عامر» إلى حي «المعابدة» حيث جدتي لأمي، يتركني لديها وأنا محاط باللعب والحلويات، التي يكون قد اشتراها لي في الطريق، كنت أشعر بأزهى ألوان الفرحة، ما إن تطأ قدماي دار جدتي، كنت أحس أنني أملك الكون كله، أتنطط مثل دقات المطر بين القاعة والحوش مطمئنا، أكلم الدنيا من غير خوف، من غير ما تخصني تشوهات الناس، وعشقت جدي حتى الثمالة، كان رجلا له مزاج صافٍ مزاج النسمة في البستان، كان شديد التدين، حافظاً للقرآن، كان يتلو القرآن بصوت عذب، كما كان يروي تواشيح جميلة، ومن بينها «ما شممت الورد إلا زادني شوقا إليك»، كان ينشد ذلك في المساء، وفي تنغيم جميل، وكان محبا لمن حوله، خاصة جيرانه الذين يؤثرهم بما تجود به «أفران» عمي «عبدالعال» وعمي «محمد» من خبز طازج، في ظاهرة تنم عن كرم النفوس ومودتها وعمق مشاعرها، وبرحيل ذلك الكيان عني مبكراً، عرفت معنى الفقد مبكراً، أحسست أن ثمة شيئاً عزيزاً ضاع مني ولست متأكداً أنني سوف أستطيع استعادته بعد ذلك، ثمة بشر يرحلون فارغين، وثمة بشر يرحلون ويحملوننا معهم، جدي رحل وحمل قلبي معه، بعض أنواع الرحيل لا تعادله مرارة، أصعب أنواعه رحيل الجد والجدة، فالجد زهرة الربيع، ومعطف الشتاء، وجدتي وكل جدة، أيقونة من الحنين، ومخزن لا ينضب من الحكايات، كانت جدتي تبدأ كل حكاية بالصلاة على النبي، وبعد أن تبدأ، ينام من ينام في خدر لذيذ، وأظل أنا ساهراً وحتى تنتهي، وأعتقد أنني اكتسبت مهارة الحكي من جدتي رحمة الله عليها، والعجيب أن أصداء حكايات الجدة، يتردد رموزها من الشرق للغرب، ولقد جمعت «دار المعارف» الكثير من الحكايات الشعبية من أفواه الجدات، وتضمنتها في كتاب ضخم، يعد من كلاسيكيات أدب الأطفال، لم أكن أعي سحر تلك «المعزة» التي يحملها الأجداد للأحفاد، إلى أن جاء آدم وياسمين وسارة، واكتشفت مع هذا الحضور عالماً يفوق حب الأبناء، أو ما يقال بالتعبير الشعبي «ما أعز من الولد إلا ولد الولد» زينوا حياتي وأشاعوا البهجة فيها، وعاقبتني الحياة في هذا العيد، بالبعد عنهم، وفق هذه العزلة البغيضة، والتي لم تترك لي خياراً للتواصل معهم بالصورة والصوت إلا عن طريق الإنترنت، حيث يقيمون في أمريكا، ولقد اشتهر الفنان الإنجليزي «فردريك مورجان» بلوحاته العديدة التي تهتم برسوم الأطفال، وتمتد إلى الآباء والأمهات والأجداد، وله لوحة شهيرة بعنوان «عيد ميلاد الجد» صور فيها خمسة أطفال في ملامح من النبل والجمال، كلا منهم يحمل هدية للجد، صورهم على الباب بصحبة كلبهم الذي يبدو أيضاً بنظرة فرحة، بينما يقف الجد أمامهم على بوابة البيت، وكأنه يهم بفتحها استعداداً لدخول حبات القلوب إلى بيته، بعد أن دخلوا وجدانه من قبل، ولوحة أخرى بعنوان «سر عظيم جداً.. جداً» صور فيها طفلة صغيرة في حضن جدتها تبثها هذا السر، في أذنها اليمنى، مما يؤكد حبها وثقتها في الجدة، بعيداً عن أبويها، أما الفنان البولندي «جوليوس شولتز» فله لوحة أنيقة اللمسة، صور فيها الجدة مع حفيدتها الكبرى، بدقه ورقة في الملامح، تبدو فيها الجدة جالسة في الصالون، وطفلة صغيرة مسترخية برأسها في الناحية اليمنى للجدة، وقد طبعت هذه اللوحة في طابع بريدي ألماني، أولئك الرسامون أجداد مثلنا، سكن أحفادهم الصدر والقلب منهم، وتحولوا إلى دم في العروق، وألوان وصور تزين العيون، وهذا ليس بغريب، فالأحفاد يظلون فكرة شقية، تشرق في خيال الجد والجدة، تغفو معهم على وسائدهم، يزورونهم في أحلامهم، يتلفتون بحثاً عنهم في الصباح، كغيب لم يأتِ، وينتظرونهم على عتبات البيوت، ويشعلون لهم الأصابع العشرة شموعاً، يقتسمون الأيام معهم بين أعينهم وأصواتهم، كمسلسل أفراح لا ينتهي، يملؤون بفصوله مساحات القلب ضجيجاً، وحتى نهاية العمر!!
كاتب سعودي

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.