"منشآت": 63% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة حققت نمواً في المبيعات بنسبة 10% خلال جائحة كورونا    مؤشر سوق الأسهم يغلق مرتفعا بتداولات أكثر من 4.2 مليار ريال    العراق: عملية عسكرية لملاحقة «الدواعش» شمال بغداد    معسكر 20 يومًا يُجهز الرائد    ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا في باكستان إلى 217809 حالة    متحدث الصحة: نسبة التعافي في الأمراض المزمنة عالية لكن الفئة خطرة    أمر ملكي بتشكيل مجلس هيئة حقوق الإنسان في دورته الرابعة لمدة أربع سنوات    الجبير يستعرض العلاقات الثنائية مع السفير الإيطالي    المهنا: يجب أن يكون رئيس لجنة الحكام سعوديًا    توجيه بعلاج خالد الزيلعي في مدينة سلطان بن عبدالعزيز    صدور جدول استكمال دوري الدرجة الثانية.. والنهائي 12 أغسطس    "العدل" تطلق الدليل المرئي لشروحات الخدمات الإلكترونية    بلدية ينبع تكثف جولاتها الرقابية الميدانية    أمين منطقة #جازان يطلق خدمة إصدار الشهادات الصحية الإلكترونية بالمنطقة    أمير جازان ونائبه يعزيان الزميل العتودي    منطقة عسير تسجل 465 إصابة جديدة بفيروس كورونا    الكويت تسجل 919 إصابة جديدة بكورونا    أمانة جدة: إحباط بيع 200 طن من البصل الفاسد ومصادرة 28 شاحنة    سمو نائب أمير منطقة الجوف يستقبل أمين المنطقة    "الشؤون الأمنية" بالشورى تناقش التقرير السنوي لهيئة الصناعات العسكرية    مركز الملك سلمان للإغاثة ينظم مبادرة لتوعية الأطفال بكورونا في اليمن    "المدفوعات السعودية".. نموذج عالمي للتكيف مع جائحة كورونا عبر "الدفع الإلكتروني"    الإسكان: فرز 9 آلاف وحدة عقارية بمساحة تتجاوز 3 ملايين متر مربع خلال يونيو الماضي    العقيد تركي المالكي : قوات التحالف تنفذ عملية نوعية رداً على تهديد الميليشيات الحوثية    "البيئة" تكافح الجراد على مساحة تجاوزت 12 ألف هكتار    سمو أمير القصيم يطلع على الدليل المساعد في إجراءات العمل لإدارة شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية بإمارة المنطقة    أمير الرياض يستقبل رئيس محكمة التنفيذ بالمنطقة    "وادي قناة" .. أحد أشهر أودية المدينة المنورة    العواد يشكر القيادة بمناسبة صدور الأمر الملكي بتشكيل مجلس جديد لهيئة حقوق الإنسان    الأزهر يدعو المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية    تجارة جازان تنفذ 2476 جولة رقابية وتضبط 512 مخالفة...    سمو نائب أمير القصيم يشيد ببرامج وجهود جامعة القصيم في مواجهة جائحة كورونا    «بوتين» يفوز بأغلبية ساحقة في استفتاء على تمديد حكمه حتى عام 2036    التحالف للحوثيين: الرد سيكون سريعاً وقاسياً إذا استهدف المدنيين في المملكة    الرياض.. القبض على وافدَين جمعا الأموال وحاولا تهريبها دون تقديم ما يثبت مشروعيتها    الدوري الإنجليزي: أرسنال يحقق انتصاره الثاني على التوالي.    الشؤون الإسلامية تنظم برنامج (لحمة وطن) بمنطقة عسير    وزير المالية: دعم «ساند» سيشمل 70% من السعوديين في المنشآت الأكثر تضرراً    ملتقى آفاق معرفية الصيفي الافتراضي بجامعة بيشة يواصل فعالياته    "القيادة" تهنئ رئيس جمهورية بيلاروس بذكرى استقلال بلاده    حالة الطقس المتوقعة اليوم الخميس    الدكتور منزلاوي: المملكة تسعى إلى تجنيب المنطقة أي عمل أحادي الجانب حول سد النهضة    هجوم مسلح وسط المكسيك يقتل 24 شخصاً    إيسيسكو" و"هواوي" تعزير التعاون في مجالات التربية والعلوم والثقافة    ندوة فرنسية مغاربية: المملكة نشرت قيم الاعتدال والتسامح والسلام    صيدلي ينتظم بتحفيظ القرآن والسر منظر الطلاب في الحلقات    الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي يفتتح الدورة العلمية الصيفية عن بعد    أمير تبوك يستقبل القنصل الإندونيسي    «الأشجار».. حوار الأضداد زكريا وصهيب    بروتوكولات سيارات الأجرة والنقل المشترك.. ضوابط وتعليمات مشددة    بدر الجنوب.. واجهة صيفية لنجران    «مساجد جدة» تعود ب «حذر» في مواجهة كورونا    "إسلامية الشرقية": دائرة إلكترونية لاستقبال المراجعين عن بعد    ختام برنامج «الحوار المجتمعي»    في حبِّ والدي (1)    لكلية الملك فهد.. سؤال    الوقفات في الأزمة عطاء    الخلاف والاختلاف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سكة الحنين الطويلة !
نشر في عكاظ يوم 27 - 05 - 2020

كما ذكرت من قبل، وأكرر التذكير، فإن مشربية الحكي في حاجة دائماً إلى عاشق ومعشوق، وبالطبع تحتاج إلى حكايات عشق، تجمع القلوب، وتقرب المسافات والأزمنة، وتحول الحكي نفسه إلى متعة وبهجة، والمعشوق الذي أرغب في الحكي عنه اليوم، هو أعز الولد، الأحفاد، والعاشق الجد والجدة، وكيف اختلفت صورة العلاقة بين الاثنين، من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وذلك بفضل البعد الجغرافي، والاغتراب، وكيف أن الاتصال اختلف، من التواصل الحميم المباشر، إلى التواصل الإلكتروني، في عصر الميديا الحديثة، وزمن الكورونا البغيضة، لا أنسى ولن أنسى، جدي لأبي، ذلك الرجل عالي الهامة، طويل القامه، كنت «أمط» رقبتي وأتطلع إلى أعلى لأنظر إليه، كان يبدو بالنسبة لي، كائنا أسطوريا، بفعل ضآلتي الشديدة وضخامته، عشت معه أجمل سنوات طفولتي المبكرة، كنت الطفل الذكر الأصغر بين أخوات أربع، كان كل عالمي في طفولتي، كان يصطحبني معه في عز البرد «المكاوي» يلفني تحت عباءته ويطوقني بذراعيه، ينتقل بي من حي «شعب عامر» إلى حي «المعابدة» حيث جدتي لأمي، يتركني لديها وأنا محاط باللعب والحلويات، التي يكون قد اشتراها لي في الطريق، كنت أشعر بأزهى ألوان الفرحة، ما إن تطأ قدماي دار جدتي، كنت أحس أنني أملك الكون كله، أتنطط مثل دقات المطر بين القاعة والحوش مطمئنا، أكلم الدنيا من غير خوف، من غير ما تخصني تشوهات الناس، وعشقت جدي حتى الثمالة، كان رجلا له مزاج صافٍ مزاج النسمة في البستان، كان شديد التدين، حافظاً للقرآن، كان يتلو القرآن بصوت عذب، كما كان يروي تواشيح جميلة، ومن بينها «ما شممت الورد إلا زادني شوقا إليك»، كان ينشد ذلك في المساء، وفي تنغيم جميل، وكان محبا لمن حوله، خاصة جيرانه الذين يؤثرهم بما تجود به «أفران» عمي «عبدالعال» وعمي «محمد» من خبز طازج، في ظاهرة تنم عن كرم النفوس ومودتها وعمق مشاعرها، وبرحيل ذلك الكيان عني مبكراً، عرفت معنى الفقد مبكراً، أحسست أن ثمة شيئاً عزيزاً ضاع مني ولست متأكداً أنني سوف أستطيع استعادته بعد ذلك، ثمة بشر يرحلون فارغين، وثمة بشر يرحلون ويحملوننا معهم، جدي رحل وحمل قلبي معه، بعض أنواع الرحيل لا تعادله مرارة، أصعب أنواعه رحيل الجد والجدة، فالجد زهرة الربيع، ومعطف الشتاء، وجدتي وكل جدة، أيقونة من الحنين، ومخزن لا ينضب من الحكايات، كانت جدتي تبدأ كل حكاية بالصلاة على النبي، وبعد أن تبدأ، ينام من ينام في خدر لذيذ، وأظل أنا ساهراً وحتى تنتهي، وأعتقد أنني اكتسبت مهارة الحكي من جدتي رحمة الله عليها، والعجيب أن أصداء حكايات الجدة، يتردد رموزها من الشرق للغرب، ولقد جمعت «دار المعارف» الكثير من الحكايات الشعبية من أفواه الجدات، وتضمنتها في كتاب ضخم، يعد من كلاسيكيات أدب الأطفال، لم أكن أعي سحر تلك «المعزة» التي يحملها الأجداد للأحفاد، إلى أن جاء آدم وياسمين وسارة، واكتشفت مع هذا الحضور عالماً يفوق حب الأبناء، أو ما يقال بالتعبير الشعبي «ما أعز من الولد إلا ولد الولد» زينوا حياتي وأشاعوا البهجة فيها، وعاقبتني الحياة في هذا العيد، بالبعد عنهم، وفق هذه العزلة البغيضة، والتي لم تترك لي خياراً للتواصل معهم بالصورة والصوت إلا عن طريق الإنترنت، حيث يقيمون في أمريكا، ولقد اشتهر الفنان الإنجليزي «فردريك مورجان» بلوحاته العديدة التي تهتم برسوم الأطفال، وتمتد إلى الآباء والأمهات والأجداد، وله لوحة شهيرة بعنوان «عيد ميلاد الجد» صور فيها خمسة أطفال في ملامح من النبل والجمال، كلا منهم يحمل هدية للجد، صورهم على الباب بصحبة كلبهم الذي يبدو أيضاً بنظرة فرحة، بينما يقف الجد أمامهم على بوابة البيت، وكأنه يهم بفتحها استعداداً لدخول حبات القلوب إلى بيته، بعد أن دخلوا وجدانه من قبل، ولوحة أخرى بعنوان «سر عظيم جداً.. جداً» صور فيها طفلة صغيرة في حضن جدتها تبثها هذا السر، في أذنها اليمنى، مما يؤكد حبها وثقتها في الجدة، بعيداً عن أبويها، أما الفنان البولندي «جوليوس شولتز» فله لوحة أنيقة اللمسة، صور فيها الجدة مع حفيدتها الكبرى، بدقه ورقة في الملامح، تبدو فيها الجدة جالسة في الصالون، وطفلة صغيرة مسترخية برأسها في الناحية اليمنى للجدة، وقد طبعت هذه اللوحة في طابع بريدي ألماني، أولئك الرسامون أجداد مثلنا، سكن أحفادهم الصدر والقلب منهم، وتحولوا إلى دم في العروق، وألوان وصور تزين العيون، وهذا ليس بغريب، فالأحفاد يظلون فكرة شقية، تشرق في خيال الجد والجدة، تغفو معهم على وسائدهم، يزورونهم في أحلامهم، يتلفتون بحثاً عنهم في الصباح، كغيب لم يأتِ، وينتظرونهم على عتبات البيوت، ويشعلون لهم الأصابع العشرة شموعاً، يقتسمون الأيام معهم بين أعينهم وأصواتهم، كمسلسل أفراح لا ينتهي، يملؤون بفصوله مساحات القلب ضجيجاً، وحتى نهاية العمر!!
كاتب سعودي

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.