تدشين برنامج التطوير المهني في جامعة #الملك_سعود في مطلع شهر #مارس المقبل    أمريكا: صبرنا على إيران له حدود    #الكويت 60 عاماً مسيرة حافلة وعلاقات راسخة مع #المملكة            كل 18 دقيقة.. إغلاق منشأة مخالفة للإجراءات الاحترازية في الرياض    كشافة شباب مكة تكرم ابو ياسر    #أمير_الرياض يدشن فعالية “المشي صحة”                "التعاون الإسلامي" تبرز أهمية الابتكارات في العالم الإسلامي بمحاضرتها الشهرية    الجوازات ل عكاظ: بدء تنفيذ آلية سفر المواطنين المتزوجين من غير السعوديين        أخضر الناشئين يختتم معسكر جازان بمناورة    المغرب تسجل 419 إصابة جديدة بفيروس كورونا    الجزائر تسجل 182 إصابة جديدة بفيروس كورونا    «الدواء الأمريكية»: جرعة واحدة من لقاح «جونسون آند جونسون» فعالة    أسعار النفط تعاود الارتفاع    السديس يدشن تطبيق الموارد البشرية "بادر"        ردا على معاقبة مسؤوليها.. فنزويلا تطرد سفيرة الاتحاد الأوروبي    إنجاز عالمي جديد للمملكة في مجال التمكين للمرأة    «موهبة»: 150 مشروعاً بحثياً لطلبة المملكة تتنافس للفوز بجوائز موهبة الكبرى في «إبداع 2021»        وزير الخارجية الأردني يؤكد دعم بلاده للجهود الدولية لنزع السلاح النووي وأسلحة الدمار    سمو الأمير سلطان بن سلمان يرأس اجتماع أمناء مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة    #أمير_الباحة يرأس اجتماع مجلس المنطقة في دورته الأولى لهذا العام    جمعية العمل التطوعي بتبوك تشارك في التنظيم بمركز اللقاحات بالمنطقة    قطر و أستراليا تعتذران عن المشاركة في بطولة كوبا أمريكا    حالة الطقس المتوقعة غدًا الخميس على المملكة    سد النهضة.. مصر تؤيد مقترحا سودانيا لتطوير آلية التفاوض    البورصة المصرية تغلق على تباين            2000 جولة على مصليات النساء بجوامع ومساجد مكة لتنفيذ الإجراءات الاحترازية        "الأرصاد": هطول أمطار رعدية وغزيرة على منطقتي القصيم والباحة    سلطان بن سلمان يستقبل السفير الصيني    mbc تحسم الجدل: «ممنوع التجول».. مسلسل ناصر القصبي في رمضان    "الشورى" يشارك في ندوة عن التشريعات الطارئة للحد من تداعيات كورونا    القبض على مواطنين أعلنا عن وظائف مقابل مبالغ مالية بالشرقية    أمير الشرقية يلتقي سفيرة هولندا بالمملكة    إغلاق 6 مساجد مؤقتاً ب 4 مناطق بعد ثبوت 6 حالات كورونا بين صفوف المصلين    مدير برنامج الغذاء العالمي يشكر المملكة على دعم ضعفاء اليمن    جامعة الباحة تعتذر عن نشرها تغريدة بشأن نادي "العين"    تعليم البكيرية يستعد لإطلاق أسبوع الموهبة والإبداع بفعاليات متنوعة    قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل ثلاثة فلسطينيين من محافظتي رام الله و طوباس    واشنطن: حل الدولتين السبيل لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي    الإرياني: الحوثي أمر بإعدام صحافيين رفض مبادلتهم    رحيل زكي يماني وزير البترول السعودي السابق يُعد من أبرز الشخصيات في سوق النفط العالمية    أمير مكة ونائبه يتسلمان توصيات ندوة خدمة المعتمرين خلال كورونا    مصدر مسؤول ل عكاظ: لم تصل لوزارة الرياضة أي استقالة    «الحياة الفطرية» تكشف أسباب منع صيد «الضب» وتحدد الهدف من الغرامات (فيديو)    نائب أمير مكة يترأس اجتماع القيادات الأمنية    مجلس الوزراء: الموافقة على تنظيم الفحص الفني الدوري للمركبات    أحمد زكي يماني.. الفقد الكبير    "خلك رجال وتزوج الثانية" يتصدر تويتر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





طيف جميل مضى !
نشر في عكاظ يوم 04 - 07 - 2018

والطيف الجميل الذي مضى هو «الدكتور عبدالكريم محمد الهمداني»، رجل من همدان كألف رجل، هو أكبر فرسان القبيلة، وأعظمهم شأنا، لم يحمل بندقية على كتفه يوما، بل حمل سماعة الطبيب وارتدى المعطف الأبيض، ونذر عمره لمهنة الطب، نما في رحم يماني، حيث تحمل الأم اليمنية طفلها حتى الشهر التاسع في بطنها، وعلى ظهرها طنا من الحطب، تقطع به التلال والوهاد دون وهن أو تعب، وكبر كقصيدة سمراء في السعودية، جاء يبحث عن وطن بديل بعد أن تاه وطنه عنه ذات خريف، كان يحفظ شعر المتنبي وعنترة بن شداد ورسائل المعري ومقدمات ابن خلدون وزهيدات أبي العتاهية ومقامات البديع، طبيب مثقف مختلف عن الآخرين، كان شاعراً بلا دواوين، ما زلت أذكر لحظة التحاقه بكلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز، كان اليمني الوحيد الذي حصل على استثناء من الأمير سلطان، رحمه الله، خلال فترة عملي بكلية الطب، وتطورت علاقتي به من تلميذ، لزميل، لرئيس قسم في المستشفيات التي عملت بها، وتطور ذلك المخلوق الجميل في العلم والتخصص، تحول إلى فراشة تبحث عن رحيق المعرفة والجديد في تخصصه، وأصبح طبيبا ماهرا، وحاصرته الألقاب من كل جانب، وذاع صيته، في جدة، وكتبت عنه الصحف، ورغم ذلك ظل شجرة تواضع وعطاء أصلها ثابت وفرعها في السماء، له قامة كبر النخل، وشموخ الصنوبر، وله رهافة النعناع، وقوة السنديان، وله حدة السدر، ومضاء العوسج، لم يكن طبيبا عاديا، كان رجلا من أشجار، أو شجرة من الرجال، شفاف كجناحي فراشة، وعنيد في الحق كالصبار، يا للصاعقة، يا إلهي، ها هو الموت
يهزمني من جديد، يختطف حبيبا آخر، كانت الريح تعصر الدمع من عيني عصرا فتنثره في الطريق، شعرت بمرارة لاذعة وأنا أستمع لنحيب «أم محمد»، زوجة الدكتور عبدالكريم رحمة الله عليه، في آخر مرة تقابلنا في مقهي «كوستا» على البحر، وكنا نفعل ذلك من حين لآخر، كنت أحس بحجم المرارة القاسية في داخله، كانت الكلمات تقع منه موقع رماد السجائر من المطفأة، كان قلبه يفر منه، مرارة عجيبة تغمر ثنايا قلبه، كان يحدثني بهذيان الجريح، عن الناس الذين أصبحوا مشغولين دائما، يمرون ولا يعودون، وكيف أضحت المدينة مدينة عبور خاطف، ولقاءات ضائعة، ومصافحات سريعة، كان ما يحدث في اليمن يقضم قلبه كتفاحة مفتوحة دائما على ثقوب جديدة، كان مغموسا في التعب والحزن والاكتئاب، كان متعبا للغاية ويعاني من ضغوطات نفسية عالية، كان يستطيب ضعفه أمام الله، يتعرى وينزع كل الأردية التي تحجبه عنه، ويرحل إليه بحثاً عن المعنى، وكان الله هو المعنى، المعنى الكبير العظيم الخارق المعجز، معنى يزيح الفراغ من حوله ويشعره بالامتلاء، ويحيره أن يتحول البشر إلى أقنعة من الزيف والخداع والخذلان، كان يحدثني بخليط من القلق والأسف والعتاب، قلت له يا أبا محمد الأسوأ قد انقضى! نظر إليّ مبتسماً بعينين مفعمتين بالأسى، عبدالكريم هو أحد الأشخاص القلائل الذين ينعكس على وجوههم كل تعبير، أجابني بعد أن أخذ نفسا طويلا، «الأسوأ والأجمل معا، لقد مضى كل شيء يا أبا فراس»، ومضى عبدالكريم والعالم في قلبه أصغر من غرفة نومه، تخوفت يومها عليه، كان منبع تخوفي دراسة علمية قرأتها، قام بها الدكتور «دوجلاس مات» من جامعة هارفارد، تلخص المستوى العالمي لنسبة الأطباء المصابين بالاكتئاب نتيجة الضغوط المهنية والاجتماعية والاقتصادية، وتطرق في دراسته للإحباط الكبير الذي يصيب معشر الأطباء بعد سنوات طويلة أمضوها في الدراسة والعمل والمحصلة النهائية التي خرجوا بها، يبدو أن الاكتئاب اختطف ذلك الإنسان النادر إلى مدائن اليقظة وتركنا للغفلة والنسيان، رحل مسرعا كمركبة فضائية دون انتظار أحد، كان لديه ما يخسره.. وكانت خسارته الكبيرة ما يحدث في وطنه، هو في الجنة بإذن الله، فالجنة لا تؤوي غير الطيبين، قالها لي ابني فراس وأنا أبلغه النبأ، كان يحب «عمه عبدالكريم» لمحبة أبيه له، ومن لا يحب عبدالكريم الهمداني، الموت لا أن تموت بل أن تنسى، وليس هناك ما يكفي من النسيان كي ننساك يا أبا محمد، في مدينة «الجاكارندا» بجنوب أفريقيا، تقول الخرافة إن سقوط زهرة جاكارندا على أحدهم يعني أن يجتاز بنجاح كل امتحانات الحياة، لكم أشتهي سقوط زهرها على قبرك يا عبدالكريم علك تجتاز امتحان الموت، علك تنهض من ركامك ليحتضنك كل مريض فقدك، لأحتضنك أنا كما كنت عندما أقابلك، فالصمت مرعب في هذه الحياة بعد أن خلت منك يا حبيبي.. يا أجمل من عرفت..
* كاتب سعودي
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.