جاء تدخل الحلفاء في العراق لتحقيق مهمتين اساسيتين كما قيل منذ الساعات الاولى لاجتياح بغداد، تتمحور الاولى في خلع النظام الصدامي، والثانية في نشر الحرية والامن والديمقراطية في العراق، وقد تنفس الشعب العراقي المغلوب على أمره الصعداء عندما تحققت المهمة الاولى، فقد عانى أبناء العراق الامرين طيلة العقود الثلاثة الماضية حينما ادخلهم النظام السابق في سلسلة من المغامرات العسكرية الطائشة التي لم تخلف للعراقيين سوى المزيد من العناء والمعاناة والازمات التي توجت بضرب العقوبات الدولية الاقتصادية حول بغداد، اما المهمة الثانية وكان من الطبيعي والمفترض ان تكون أهم من الاولى وهي نشر الحرية والأمن والديمقراطية في الربوع العراقية فإنها مازالت تراوح في مكانها ولم يتحقق منها شيء على أرض الواقع، فقد احتفل العراقيون قبل أيام بمرور سنة على سقوط الدكتاتورية الصدامية ولكنهم في ذات الوقت لم يحتفلوا بما كانت تعدهم به القوات الحليفة التي خلصتهم من الكارثة الصدامية ولم تخلصهم من كارثة فقدان الامن والحرية والديمقراطية التي تحولت بمرور الوقت الى شعار مرفوع للاستهلاك الاعلامي لا غير، فهاهم مئات العراقيين يسقطون بين قتيل وجريح على أيدي القوات الحليفة بمدينة الفالوجة وغيرها من المدن العراقية دون ظهور بصيص أمل لتحقيق ما وعد به العراقيون، بل انهم يشعرون في قرارة انفسهم ان الحقبة الصدامية عادت من جديد بوجه متنكر، فهاهي المذابح ترتكب، وهاهي القبور الجماعية تحفر، فما أشبه الليلة بالبارحة، فمجلس الحكم أخذت مفاصله تتخلخل.. وعراق اليوم يدخل في موجات متلاطمة من الفوضى، وبريق حرب عصابات يكاد يلمع بجلاء في ارجاء المدن العراقية، وليس بمستغرب في اجواء الاقتتال الدائر في العراق ان تدمر البقية الباقية من الدولة وان يعم السلب والنهب، وان تسقط الوعود البراقة المرفوعة، وان يحدث مايخشى حدوثه بتقسيم الدولة العراقية، وليس من سبيل للخروج من الازمة الصعبة التي يعيشها العراق اليوم الا بتدخل سياسي من الدول العظمى لتسوية الازمة وفقا لما تقتضيه أحوالها الشائكة، ولا بد في الوقت نفسه من تدخل أممي عاجل لوقف اطلاق النار والتمهيد لتهدئة الاوضاع والوصول الى الحدود القصوى من الامن بطريقة قد تهيىء لمجلس الحكم الانتقالي ان يفعل شيئا لانقاذ ما يمكن انقاذه في العراق قبل غرقه الكلي في بحار التدمير والفوضى.