يحدث ويحدث كثيرًا أن يكون هناك فلان من الناس جالسًا بين قوم معتبرين، حشمة وكبرياء وجاه ومظهر، يتداولون شأنًا عامًا طارئًا يحتاج تعاضدًا وحلًّا، فيطلب أحدهم منه أن يوصله إلى مكان ما ليأتي بشيء لازم، فيسأل المسؤول السائل: هل تجيد القيادة؟ يجيب السائل: نعم. فيعطيه من لحظتها مفاتيح سيارته، ليذهب ويأتي بالغرض المراد، وهذا كثيرًا ما يحدث حين يكون القوم هذا وصفهم ونعتهم وحالهم وسَمْتهم، تعبيرًا عن احترام وثقة واعتبار مكانة السائل والمسؤول؛ فالسائل يريد أن يجلب ما فيه ضرورة استحضار، ومن حضوره ما يستوجب أن يكون جديرًا به احترام الآخرين وتقديرهم له وثقتهم به، والمسؤول جدير به حسن ثقته وطيب أريحيته للوهب والتلبية، وليس بالمكان الذي يماثل بينه وبين سائق يوصل الكرام مثله؛ فلأنهم مثله ومن طبقته فهم أهل ليهبوا سيارة يذهبون بها حيث يشاؤون، وليس مثلهم من يسأل الاستعارة، ولا مثله من يُسأل خبرة قيادة ومعرفتها. يعطيه مفاتيح السيارة، فيذهب بها السائل، ولأنه ضعيف خبرة بفن القيادة، ولأن حداثة السيارة ودقتها من التقانة والحساسية والتطور ما يليق بثراء صاحبها ويفوق ضيق حال المستعير، ولأن شارع المدينة مزدحم بالسيارات والمارة والتقاطعات والإشارات، لكل ذلك قُدر عليه حادث قاتل، فقضي الأمر: مات المستعير وتغيرت معالم السيارة. لقد كان في اعتبار المسؤول قيمة المكان والجلسة والقوم والمقام والسمت والجاه، وفي حسن ظنه وكرمه والرضى منه في استخلاف السائل على سيارته، ووهبه القيادة وتولي أمرها وأمر الطريق ومسافته، وتحقيق المطلوب وجلب المراد، كان في ذلك كله جناية على السائل الضحية وعلى روحه وحياته. وهذه تهمة قلبت فيها المعادلة وجعل السبب مسببًا والمسبب سببًا، أشبه بدبوس (نيتشه) الذي وصفه فقال: حين يجلس أحدنا ويسند ظهره إلى المقعد، فيشعر بألم نخزة في ظهره، يتفحص فيجده دبوسًا؛ فيقال إن الدبوس سبب الألم، في حين أن الحقيقة بحسب نيتشه هي: أن الألم هو سبب اكتشاف الدبوس؛ فالألم سبب، والدبوس مسبَّب. هكذا يراه نيتشه وهكذا يصحح لنا مفاهيمنا. ونحن كثيرًا ما يحدث هذا معنا، فنجعل السبب مسببًا والمسبب سببًا، ومنها الحادث السابق؛ وذلك أن الضحية بسمته وجاهه وحضوره في هذا المجلس بين القوم وفي مقامه، كل ذلك جعل صاحب السيارة يعتقد أن السائل وبمكانته لا بد أنه سبق له أن قاد سيارة وأنه ربما جاء من دون سيارته لطارئ ما؛ فليس المقام مقام من لا يدري ما هي السيارة، ولا كيف تقاد. فأعطاه المفتاح وكان ما كان من قدر مستحق وقضاء كان لا بد أن يبرم. فمن الجاني؟ ومن جعل الجاني جانيًا؟ وهذه العبرة السببية تحصل نتائجها وتحدث نماذجها في صور كثيرة ومتعددة، زمنيًا ومكانيًا. لقد جاء الرسول الكريم بوحي السماء وقرآن معجز مبين، لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله ولو كانوا بعضهم لبعض ظهيرًا. هذا ما فهمه حكماء العرب ودهاة العربية، وهذا ما أقر به سادة البيان وفصحاء العربية، هذا ما فهمه شاعر مثل لبيد بن ربيعة، فلم يقل شعرًا بعد أن سمع القرآن، وقال حسبي من البلاغة سورة البقرة مثلًا؛ فقد أبدلني الله بشعري خيرًا منه: الإسلام والقرآن. وُهبت العربية بيانًا معجزًا أقر به أهل البيان وحاروا. بيانًا جعل عمر بن الخطاب ينزع عنه غضبه ويخفض له عزّته ذلًّا وتسليمًا فيسلم له قلبه وجوارحه، وتحول من أخ غاضب جاء ليؤدب أخته التي صبأت وكفرت بدين آبائها، إلى عبدٍ لله، فرجع وهو وأخته كافرين بدين آبائهما ومسلمين القلب والروح لهذا البيان العجيب. لقد عرف أهل الفصاحة عجزهم أمام إعجاز هذا البيان المعجز. ولقد أدرك الحكماء والعارفون قيمة هذا القرآن وأخبارِه وأنبائه، فأطرقوا مقرين. ولقد عرف أهل الفهم والفراسة وأرباب اللغة طاقات هذا البيان ودلالاته، فوقفوا على شطآن بلاغته وعلى مسافة من وجوه حمله، كما وقف أصحاب أبي يزيد البسطامي يومًا، فاكتفوا منه بقريب المعنى وقدر الحاجة ولم يغامروا بالغوص في يمه ومناطحة لجه. لم يبحروا في متاهاته وليس لهم سلطان ينفذون به، فاجتهدوا قدر الحاجة ولم يزيدوا، ولم يتكثروا ولم يتعمقوا؛ فإن كان أهل الفصاحة نكصوا عن مجاراته، فقد كان أولى بمن هم دونهم أن يتأدبوا عن تفتيقه، كمن يتنطع لفك الذرة وتحليلها وهو لا يعرف مسلمات العناصر الكيميائية ولا مسمياتها ولا رموزها ولا أعدادها الذرية، فتنفجر به ليهلك جهلًا بطاقاتها. أجل، لقد كان أولى بهم ثم أولى. ولقد أوصى الرسول فقال (إياكم والغلو في الدين)، وهذا يعني أن نكتفي باللازم، وألزم اللازم ما يفي ويكفي من أقله وأقربه. ولقد أوصى وحذر فقال: (لا تعودوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض). وقد قال علي لابن عباس: (لا تجادلهم بالقرآن، إنه حمال أوجه). بعدت المسافة بنا مع القرآن، فصرنا أشبه بذاك المستعير سيارة غيره، وبعد أن بعدت به المسافة تاهت به السبل عن الهداية وحار في وصوله وثقل عبئه، فكان هذا حظه من قدره ومبرم ما قضي به عليه، فقضي الأمر وظل حتى لاقى حتفه في مصيره. وهذا ما صار: بعضهم قرأ القرآن فصار شيعيًّا، وبعضهم قرأه فصار سنيًّا، وبعضهم تأوله فصار باطنيًّا وغيره مرجئيًّا، وغيرهم التزم ظاهره فصار خارجيًّا، وآخر سلفيًّا، وغاص وأبحر من أبحر حتى رماه موجه في جزيرته وحيدًا صوفيًّا زاهدًا بما يلتقطه من كفاف نائيته. لقد حمل القرآن إلى العرب بيانًا جماليًّا فاقت دلالاته كل بيان عربي. وحين يكون النص بهذه الحمولة البلاغية وبهذه القابلية لوجوه التأويل، فسيكون نصًّا مهلكًا لك إن تماديت في حرث دلالاته وتفجير بيانه. ونحن اليوم مع هذا الضعف والعجز، والخذلان لتاريخنا ومبدأ ديننا، تمادينا عبثًا في عالم هذا البيان وانتحال ما تصل إليه أفهامنا، فعدنا فرقًا وشيعًا ومذاهب وطوائف، يضرب بعضنا رقاب بعض تكفيرًا وتسفيهًا وتخوينًا وتضليلًا وتحريم حلّ وتحليل دم. لقد حملنا القرآن بعدة غير قادرة، وبعدنا به مسافة، فتهنا به وشوهنا معالمه، لقد جنينا عليه حين حملناه وتمادينا تنطعًا له، فجنى علينا ضعفنا وجعلناه حملنا وجعلناه بجنايتنا على حمله جانيًا علينا ضعيفين. استنّ الأصوليون والفقهاء والمفسرون والشراح مصطلحات، مثل: (مقاصد الشريعة)، و(الضرورات)، و(الاستحسان) و(العرف)، كل تلك المصطلحات بغية السلامة في التعامل مع آيات القرآن ومتشابهه الذي نبهنا البيان القرآني ذاته وحذرنا من التمادي فيه والغلو. وعلى الرغم من ذلك كله تاه من تاه وتمادى من تمادى. واليوم بات من المعلوم في النظرية النقدية المعاصرة أن النص الجمالي قادر على حمل الوجهين المتناقضين في العبارة ذاتها، وهذه طبيعة خُصت بها اللغة وحروفها؛ وإلا فكيف كان للمحدود في حروفه أن يحيط بغير المحدود من الكائنات والأسماء والمفاهيم والمعاني، ويستوعبها ويعبر عنها؟ وكيف يكون ذلك مع لغة يشتمل معجمها على أكثر من اثنتي عشرة مليون مفردة، ولا يقدر على الإحاطة بها إلا نبي موحى إليه كما قال الشافعي عن العربية؟ فأنّى لنا أن نحيط بها وقد حباها الله إعجازه؟! وأنى لنا أن نحيط بكلمات، لو كان البحر مدادًا لها لنفد ولم تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله وأمثاله مددًا؟! وأنّى لنا أن نحمله وأن يستقيم هدينا، وقد صرنا ينقض بعضنا بعضًا؟! فما فائدة معاذيرنا التي ألقيناها ونلقيها، وقد بُلّغنا أنه لا عذر لنا في مزاعمنا؟ بل ألزمنا بيانه أننا لسنا معذورين ونحن مسؤولون وكل منا بنفسه بصير. فويل لنا من عجزنا وإعجازه...! وأولى لنا ثم أولى ألا نُحرك به لساننا لنعجل به؛ وليس علينا جمعه وقرآنه، كما أوصانا بيانه، وأخبرنا أنه ليس علينا بيانه [سورة القيامة، الآيات: 13-19، 34-35]. فليس علينا توحيد ربنا إذا كان ذاك يتم بحسب زعمنا بتفريقنا وتبديدنا، وليس علينا أن نصون القرآن بحفظ حروفه وقد أهدرنا مقاصده. فلقد عجزنا عن حمل بيانه وفهمه، فحمّلناه عيّنا وفهمنا. جاء لينقذنا فأنقضنا به ظهرنا، ووُهب ليرفع عنا أوزارنا فحمّلناه أوزارنا. تلك مقاصده التي أهدرناها لنحمّله مقاصدنا.