لم تعد موجة الاحتجاجات التي تشهدها إيران حدثاً داخلياً عابراً، بل تحولت إلى مؤشر سياسي واقتصادي كاشف لحجم الضغوط التي تواجهها طهران، ولطبيعة المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد. فالتظاهرات التي اندلعت على خلفية تدهور المعيشة وارتفاع الأسعار، جاءت في توقيت شديد الحساسية، يتقاطع فيه الضغط الشعبي مع ملفات إقليمية ودولية مفتوحة، مما منح الحدث أبعاداً تتجاوز الداخل الإيراني إلى دوائر القرار العالمي. دلالة التوقيت تكمن أهمية الاحتجاجات في توقيتها، إذ تتزامن مع اقتصاد مثقل بالعقوبات، وتراجع في الموارد، وضيق هامش المناورة أمام صانع القرار. هذا التزامن يعكس أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل هي نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية طويلة، جعلت أي هزة معيشية شرارة قابلة لإشعال غضب واسع، يهدد التوازن الداخلي الهش. تحول المطالب ورغم أن الدافع المباشر للاحتجاجات كان اقتصادياً، فإن تطورها السريع واتساع رقعتها الجغرافية يشيران إلى تحول نوعي في طبيعة المطالب. فالهتافات المرتبطة بالأسعار والوظائف باتت تتقاطع مع تساؤلات أعمق حول الأولويات والسياسات، مما يضع السلطة أمام تحدٍ يتجاوز المعالجة الاقتصادية إلى اختبار سياسي غير معلن. مأزق القرار يعكس المشهد مأزقاً واضحاً في خيارات القيادة الإيرانية. فالمقاربة الأمنية قد تفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور الأزمة، في حين أن الإصلاحات الاقتصادية تتطلب موارد وانفتاحاً دولياً تفتقر إليه طهران حالياً. هذا التناقض يفسر حالة التوازن الحذر في التعاطي مع الاحتجاجات، ويجعلها أزمة مفتوحة على احتمالات متعددة. 3 سيناريوهات متوقعة تتراوح السيناريوهات المحتملة بين 3 مسارات رئيسية. الأول يتمثل في الاحتواء المؤقت، عبر تشديد الإجراءات الأمنية مصحوباً بخطوات اقتصادية محدودة، يهدف إلى تهدئة الشارع دون إصلاحات جذرية، وهو مسار قد يؤجل الانفجار لكنه لا يمنع تكراره. السيناريو ال 2 يقوم على انفراج مشروط، حيث قد تدفع الضغوط الداخلية إيران إلى إبداء مرونة أكبر في ملفاتها الخارجية، مقابل تخفيف للعقوبات يسمح بتمويل إصلاحات تدريجية تخفف الاحتقان الاجتماعي. أما السيناريو ال3، والأكثر خطورة، فيتمثل في التصعيد المتبادل، سواء باتساع رقعة الاحتجاجات داخلياً أو عبر توترات خارجية تُستخدم لتحويل الأنظار عن الداخل، وهو خيار يحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة، خاصة على أسواق الطاقة وأمن المنطقة. الانعكاسات الخارجية لم تمر التطورات الإيرانية دون صدى دولي، إذ تُعد إيران لاعباً محورياً في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي. وأي اضطراب داخلي فيها ينعكس مباشرة على المخاوف المرتبطة بأسعار النفط وأمن الملاحة، كما يمنح القوى الدولية أوراق ضغط إضافية في ملفات التفاوض الحساسة. في المحصلة، تمثل الاحتجاجات الإيرانية حدثاً مفصلياً، ليس فقط بما حملته من مطالب، بل بما كشفته من هشاشة التوازن بين الداخل والخارج. وهو توازن ستحدد طريقة إدارته ملامح المرحلة المقبلة لإيران، وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.