ما أنِ انفصلت الفلسفة عن العلم في عصر النهضة حتى نشب بينهما عداء سافر لا نهاية له، فالعلماء رأوا أن الفلسفة مجرد تأملات لا طائل منها، ولا يمكن اختبار صحتها بالتجربة التي هي -بنظر العلماء- الطريق الوحيد للحصول على المعرفة اليقينية، وبلغت بهم السخرية إلى أن قال العالم الفيزيائي، ستيفن وانبرغ: «كلما تطورت الفيزياء تراجعت الفلسفة»، وبعض العلماء أعلنوا رسميًا موت الفلسفة، بينما ذهب آخرون إلى أنها تحتضر على سرير الإنعاش. بينما يرد الفلاسفة بأن لا ذنب للفلسفة إذا كانت موضوعاتها لا يمكن وضعها في أنابيب المعامل المخبرية لاختبارها تجريبيًا أو حلها بالمعادلات الفيزيائية، مثل الميتافيزيقا والجمال والأخلاق والوعي والسياسة وعلم الاجتماع، وأيضًا يرى الفلاسفة أن العلم مشغول بالجزئيات، ويغفل -أو يعجز- عن مناقشة الأسئلة الشمولية الكبرى، مثل الوجود والمعنى والقيم والجمال والأخلاق والسياسة والقوانين الاجتماعية. ويضيف الفلاسفة: إن العلم بطريقته الآلية لا يقوى إلا على الظواهر الطبيعية، وما وراء الظواهر هناك عالم الأفكار الذي لا يستطيع العلم الاقتراب منه؛ إنه مخصوص -أي عالم الأفكار- للفلسفة والفلاسفة، وإذا ما اعتمدنا على العلم كما ينادي بذلك بعض العلمويين فإن عالم الأفكار سيكون مجهولًا لدينا، ونخسر الفلسفة، وعلى إثرها نخسر العلم، فالعلم ما كان ليُوجد لو لم يسبقه وجود الفلسفة. بينما هناك فريق ثالث فضّ هذا الاشتباك وقرر أن العلاقة بين الفلسفة والعلم علاقة تكاملية لا تضاد فيها، فإن للفلسفة ميدانًا، وللعلم ميدان، وكل منهما يمد الآخر بنتائجه، وفي خضم هذا الصراع تحدث مصاهرة بين الفلسفة المادية والعلم، فالفلسفة المادية تقرر أن العالم مادي بحت، ولا يوجد شيء آخر غير المادة، بالتالي هي -بشكل أو بآخر- تعمل على تهميش الميتافيزيقا، وهذا تمامًا ما يطرب له العلم، فهو لا يعترف بغير تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرًا تجريبيًا عبر فهم القوانين الطبيعية للعالم. والمصاهرة بين الفلاسفة الماديين والعلماء ليست حديثة العهد؛ فقد أسس لها ديمقريطس وأبيقور عندما قرروا المذهب الذري، الذي وضع فكرة الذرات، وأن الكون مكوّن من ذرات تتحرك في الفراغ، وجاء العلم الحديث واكتشف وجود الذرات التي أخبر عنها ديمقريطس قبل ألفي عام، واعتبر الفلاسفة الماديون أن هذا انتصار تاريخي لفلسفتهم. وأيضًا هناك شبه اتفاق فيما بينهم حول مسألة الجبر، فالإنسان -عند الفلاسفة الماديين- مجبور في أفعاله بسبب الطبيعة، وعند العلماء مجبور في أفعاله بسبب أعصاب المخ، فكلاهما يجتث فكرة حرية الإنسان من جذورها. إذا كنا قد تحدثنا عن الفلسفة المادية وصلة القرابة بينها وبين بالعلم في هذا المقال، فلا بد أن نتحدث عن فلسفة أخرى هي أقرب إليه وأشدّ مودةً له، وهي الفلسفة الوضعية المنطقية، وهذا ما سنتحدث عنه في مقالنا القادم، بحول الله.