منذ بدء الخليقة وعلى مر الأزمنة والعصور وعلى امتداد الحقب التاريخية المتلاحقة ظلت التداخلات الحضارية بين الشعبين في السعودية واليمن متصلة ومتواصلة متساندة ومتعاضدة، وإن تقاطعت في بعض منعطفاتها أو إرهاصاتها بين هنيهة وأخرى، إلا أنها لا تلبث أن تعود إلى ذات المجرى المتدفق الدائم، وبحميمية أكثر قوة وتلاحما من ذي قبل، وما تشهده الساحة اليوم هو ذات الامتداد منقطع النظير بينهما، فالمواقف السعودية مع اليمن لم تكن وليدة اللحظة الراهنة التي أعقبت الانقلاب على الشرعية لوقف التغلغل الإيراني في الأراضي اليمنية عبر أدواته من الحوثيين، بل هي مواقف دائمة لا تتغير، ولا تتبدل، ولا يمكن أن يكون لها نهاية ما، فالسعودية هي الداعم الأول لميزانية اليمن منذ بداياتها، وهي التي أسهمت في تنميته من خلال بناء المستشفيات والمدارس والطرق وحفرالآبار، وهي التي تقدم المعونات والإغاثة للشعب اليمني في حالات الكوارث الطبيعية وانتشار الأوبئة والحالات الطارئة. وقد فتحت المملكة العربية السعودية قلبها قبل حدودها لليمنيين، حيث يعملون فيها وينعمون بمزايا تفوق ما يمنح لبقية الجاليات وتسعى لتسهيل وتوفير فرص العمل حتى من خلال الاستثناءات عن الغير، وغض الطرف عن بعض المسائل القانونية التي لا يستطيعون أداءها. واليوم، تصب السعودية في كل جهودها الرامية لإبقاء اليمن كبلد شقيق يستعيد قواه وإشراقته التاريخية المتوهجة انطلاقا من مبدأ أن الأمن والسلام والتنمية والاستقرار فيه هو من أمنها وسلامها واستقرارها وينعكس ذلك على الإقليم والمنطقة في كل العموم. ولذا فهي تعمل مع كل الجهات الرسمية والسياسية والأمنية والمجتمعية في سبيل اجتثاث النبتة السرطانية الفارسية المقيتة، إلى جانب جهودها الحثيثة المتواصلة منذ أيامها الأولى التي لبت فيه نداء الأخوة العربية من الشرعية في مساندتها للحرب على الجماعات الحوثية الإرهابية. ولقد أثمرت جهود السفير السعودي محمد آل جابر في العمل على إحداث مصالحة بين القوى السياسية اليمنية الفاعلة على الساحة في المناطق المحررة والتي أرست وقادت إلى تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، وبهذا يكون اليمن قد بدأ يتلمس أولى الخطوات في طريق المصالحة الشاملة وإنهاء الأزمات التي ظل يعانيها منذ انقلاب جماعة الحوثي واستيلائها على السلطة. وهذا يعد التطور الأهم في الأزمة اليمنية، ويؤكد نجاح جهود السعودية في توحيد الصفوف للقوى الرافضة للانقلاب الحوثي، الأمر الذي يشكل بارقة أمل لتصحيح مسار الحل السياسي في البلاد، بخاصة بعد أن أصبحت المبادرة في أيدي اليمنيين أنفسهم. الأمر الذي يثير كثيرا من التفاؤل بتذليل العقبات التي كانت تحول دون حضور الدولة بشكل فاعل في المناطق المحررة. وينظر السفير السعودي محمد آل جابر إلى أن المكونات السياسية قد تجاوزت الصعوبات والعقبات، وقدمت مصلحة اليمن كوطن أمام كل الاعتبارات، إلا أنه يرى أنه لا يزال عليه العمل مع الجميع مدركا أن العمل شاق، والطريق لا يزال طويلا لتحقيق أهداف اليمنيين في استعادة دولتهم، وإعادة الاستقرار إلى ربوع البلاد، بعد سنوات عجاف، عانى فيها الشعب كثيرا من الأزمات، وسقط خلالها الآلاف من الضحايا الأبرياء. فطريق المصالحة في اليمن اليوم بات مفتوحا، وأمام المكونات السياسية كل فرصة لخدمة وطنهم عبر تطبيق نهج يؤدي إلى معالجة الأوضاع الاقتصادية التي يعانيها اليمن اليوم، وترميم الجراح التي خلفتها الحرب والالتفات إلى مفاتيح التنمية، فهي الكفيلة بإعادة الاستقرار المفقود في البلاد لسنوات طويلة. وأرست المملكة أسسا في الدعم والإغاثة والتنمية على كل المستويات وفي كل أطر التنمية، ووضعت الخطوط العريضة للإطار العام لإستراتيجية التنمية في اليمن لتغطي مشاريع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عددا من القطاعات المختلفة من الصحة والتعليم والكهرباء والطاقة والزراعة والثروة السمكية والمياه إلى السدود والطرق والموانئ والمطارات وإنشاء المباني الحكومية وصيانتها. وحرصت على أن تجعل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن نقطة البداية للتخطيط لمستقبل التنمية وإعادة الإعمار في اليمن، والذي يمثل حاليا أولوية رئيسة في تمهيد الطريق من الإغاثة إلى التنمية المستدامة، والذي يعمل على عدة مشاريع محددة ستحدث نقلة إيجابية على كل المجالات الاقتصادية والتنموية من خلال وجود عدة مكاتب ميدانية في مختلف المحافظات. ويتسع مجال البرنامج ليعمل يدا بيد مع حكومة الجمهورية اليمنية لتحقيق أقصى استفادة من خلال تنفيذ المشاريع والمبادرات التنموية. وبما أن الأمن والاستقرار يمثلان ركيزة أولى للتنمية المستدامة، فقد عملت المملكة لذلك على المدى القصير وتم إطلاق مشاريعها في مناطق خالية من سيطرة ميليشيات الحوثي الإرهابية، والذي يعني أن البرنامج سيمكنها من التسريع في تنفيذ التنمية، بحسب الأولويات والاحتياجات الطارئة في جميع هذه المحافظات. ويتولى مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية توفير الخدمات الصحية والغذائية والبيئية المنقذة للحياة للملايين من الشعب اليمني. وحتى وقتنا الراهن، تبرع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بمئات الملايين لدعم أنشطة الاستجابة التي تقوم بها منظمة الصحة العالمية في اليمن، وقد مكنت هذه المنح من توفير عشرات الأطنان من الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية للمستشفيات في محافظات أبين، وعدن، والضالع، والمهرة، وشبوة، ولحج وحضرموت، وتعز (المنطقة المحاصرة)، والجوف، ومأرب وسقطرى. وتضمن ذلك الإمدادات الصحية في حالات الطوارئ ومستلزمات علاج الصدمات وأدوية لمعالجة أمراض الإسهال. ولم ينتهِ العمل الإنساني الذي يقدمه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في دعم أنشطة الحملة ضد شلل الأطفال وإرسال الفرق الصحية المتكاملة المتنقلة إلى المناطق التي تعاني من نقص الخدمات الصحية، وتأمين خدمات الإحالة وتوفير سيارات الإسعاف. وفي سياق أنشطة التأهب للتصدي للملاريا وحمى الضنك وحملات رش في عدن والحديدة ولتأمين عمل المرافق الصحية في 19 محافظة، تم توفير الوقود الذي يحتاجه 59 مستشفى، وبنوك للدم، ومختبرات مركزية ومراكز للكلى وللأورام. ونظراً لنقص الموارد المادية المتاحة لمنظمة الصحة العالمية للقيام بأنشطة الاستجابة في اليمن، فقد اكتسب الدعم المقدم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية أهمية حيوية لضمان استمرار الخدمات الصحية. ما دعا المنظمة أكثر من مرة للإعراب عن عميق الشكر والتقدير لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية على دعمه المستمر لعمل المنظمة. كذلك تعدى مشروع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مسام لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام والتي تم عبرها انتزاع مئات من الألغام التي زرعتها ميليشيا الحوثي الإرهابية في مختلف مناطق اليمن والتي تنوعت الألغام ما بين ألغام مضادة للأفراد، وألغام مضادة للدبابات، وذخيرة غير متفجرة، وعبوات ناسفة. ويواصل مركز الملك سلمان للإغاثة جهوده في تطهير الأراضي اليمنية من الألغام الحوثية التي زرعتها الميليشيات بعشوائية في الأراضي والمدارس والمنازل في اليمن، مستهدفة أرواح المدنيين وتسببت في مقتل وإصابة المئات من الأبرياء. ومن أجل ترسيخ العديد من عوامل الاستقرار، ربطت الجهود السعودية مرحلة الإغاثة بالانتقال إلى مرحلة التنمية. ونفذ برنامجها أيضا مشاريع أمنية للحدود الوطنية لدعم إصلاح قطاع الأمن وإعادة تأهيل الشرطة والسلطات المحلية، وركز على المشاريع العاجلة ذات الحلول المستدامة لتحقيق الأمن الغذائي من خلال دعم الزراعة ومصايد الأسماك وتربية الماشية، والتي يعتمد فيها ثلثا السكان في معيشتهم. ويشعر اليمنيون بمشاعر العرفان والجميل للدعم السعودي بإيداع الوديعة لأكثر من مرة الأمر الذي لولاه لما توقف التدهور السريع للعملة، في حين كان الوضع الحكومي الحرج في أتون هذه الحرب المفروضة الغاشمة تجعلها في موقف العاجز ولم تكن الحكومة قادرة على لعب دورها الصحيح في الإصلاح الاقتصادي دون الدعم السعودي المنقذ لها في أشد اللحظات الحالكة الأكثر تعقيدا، وقد مكنها ذلك من الحفاظ على المعدل الحالي للريال اليمني، ومنع حدوث دوامة من معدل التضخم الذي انخفض إلى أدنى مستوياته. وكل هذه المؤشرات انعكست على المواطن اليمني في مجال الخدمات الأساسية ولمس تأثيراتها عليه إيجابا في حياته اليومية، وفي الحين الذي تشكل فيه المساعدات السعودية أمرا حاسما في عملية الاستقرار في اليمن ولتخفيف معاناة الشعب اليمني، فقد تم إيصال المساعدات عبر جسر جوي بين الرياض ومأرب، لتسريع وصولها- بخاصة الأدوية- للمواطن اليمني. وقد وصلت آلاف الأطنان من المساعدات الإغاثية، لذلك فإن المملكة تسعى إلى إعادة إطلاق دعم المساعدة الإنمائية لليمن واستكمال جهود المساعدة الإنسانية الخاصة التي تعزز قدرة المؤسسات اليمنية على تلبية احتياجات المواطنين وبناء أساس أقوى للسلام والازدهار الدائم. وينطوي هذا النهج على العمل لتوفير إمكانية الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية والفرص الاقتصادية، وبناء مزيد من المؤسسات المحلية والوطنية. ولقد كان للسفير السعودي في اليمن محمد آل جابر نظرة ثاقبة في إعطاء الأهمية القصوى لإعادة تأهيل المؤسسات والمرافق كان لها أكبر الأثر في عودة الاستقرار إلى عدد من المناطق في مقدمتها عدنوالمحافظات المحررة، حيث أسهم في توفير الخدمات الأساسية للمدن المتضررة بهدف عودة النازحين إلى ديارهم وحصولهم على الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصحة وتعليم. ولقد شهدت الحياة انتعاشا في عدن وتجددت فيها الآمال، كذلك شهدت في المقابل استقرارا كبيرا على الصعيدين الأمني والخدماتي، بفضل دعم التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية ويقود دفة النشاط السياسي والدبلوماسي فيه السفير محمد آل جابر وجهوده المتواصلة لتطبيع الحياة وتثبيت الأمن، وهو ما دفع الحكومة إلى الاستقرار فيها وممارسة مهامها بكل طاقمها. هذا الاستقرار دفع العديد من الوفود الأجنبية والعربية إلى زيارة عدن بشكل متواصل، كما أسهم في انتعاش اقتصادي هو الأول من نوعه منذ سنوات طويلة. ووصل إلى عدن لأول مرة منذ تحريرها وفود أوروبية رفيعة أشادت بالتحسن الملحوظ الذي تشهده عدن في الجانبين الأمني والخدماتي كما أسهم الاستقرار الأمني في عودة المنظمات الدولية وفتح مكاتب لها في العاصمة عدن، لتسهيل تحركها في كل المحافظات المحررة، وإشرافها على المشاريع الإنسانية والخدمية. كما انعكس على الجانب الاقتصادي بانتعاش ميناء عدن، وعودة الرحلات إلى مطار عدن الدولي، هذا النشاط الاقتصادي انعكس بشكل إيجابي على حياة المواطنين، وأسهم في توفير فرص عمل عديدة، لا سيما في ظل استقبال عدن لآلاف النازحين من مختلف المحافظات اليمنية. كما كان لجهود تطبيع الحياة ودعم قطاع الخدمات، وتفعيل مؤسسات الدولة من قبل دعم المملكة العربية السعودية دور مهم وبارز في انتعاش الاقتصاد بعدن وعودة الحياة إلى طبيعتها، إذ أسهم دور السفير محمد آل جابر المستمر لدعم قطاع الخدمات مثل الكهرباء من خلال منحة المشتقات النفطية للمحافظات المحررة، دور كبير في إنهاء الأزمات والانقطاعات المتكررة للكهرباء، ما أسهم في تجدد الأمل للمواطنين في هذه المحافظات.