في كتابه عن: «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» أوردَ الدكتور صلاح عبدالفتاح الخالدي قصةً كلّما أعدتُ قراءتها تملكني العجبُ إذ لم تكن محض: «حكايةٍ» يُمكِنُها أنْ تمرقَ هكذا على القارئ/ والمعلّقِ بوصفها حّدثاً كانَ وحسب! وذلك أنّ ما تتضمنه تلك الحكايةُ من:«دَوالٍّ» سواءً ما كانَ منها في الظاهر مِن أسطر الحكايةِ أو ما كانَ منها خفيّاً في بطن الأسطر! إذ إن مِن شأنِها -بما ظهر منها وما استتر- أن تُجيب عن أسئلةٍ ظلت دهراً وهي عالقةٌ من غير أن يتجاسرَ أحدٌ في الحديث عنها ولو إيماءً! أو أن الإجابةَ عنها هي الأخرى قد أُريد لها أن تبقى مطمورةً إلى أن يحدِث اللهُ أمراً كان مفعولا، ولا جرم في أنّ هذه :«الحكايةَ» ليست استثناءً بل إنّ ثمّة:«حكاياتٍ» تشبهها في أشياء كثيرةٍ غيرَ أنّها لم تُروَ بعدُ! وعلى أيّ حالٍ، فإني لم أشأ أنْ أسبقَ رواية: «الخالدي» بأيةِ رؤية/أو قراءةٍ تخصني خشيةَ أنْ يكونَ لها أثرها في طريقة قراءاتكم، وعليه فأدعكم وحدكم مع روايةِ الدكتور صلاح الخالدي لتلك: «الحكاية» إذ كتب ما يلي: (ومن تقدير وتوقير رجال الثورة له – يعني لسيد قطب- أنهم أقاموا حفل تكريم له بعد شهر من قيام الثورة.. وكان أساس الحفل محاضرة لسيد قطب بعنوان: «التحرر الروحي والفكري في الإسلام»، دُعي سيد لإلقائها في نادي الضباط في الزمالك في شهر أغسطس/ آب، وذهب سيد لإلقاء المحاضرة في الموعد المحدد، وكان معه صديقه الأديب الحجازي (السعودي) أحمد عبدالغفور عطار، وبدل أن يلقي سيد محاضرته، حَوّل قادة الثورة الحفل إلى كلمات وخطابات للإشادة بسيد وبيان مناقبه. قال أحمد بن عبدالغفور عطار واصفًا الحفل: وفي الموعد المحدد حضرت معه، وحول الضباط محاضرة سيد إلى مناسبة للاحتفال والاحتفاء به، وبيان مناقبه، وبدل أن يحاضر سيد فيهم، صار الخطباء يتكلمون عن سيد، ويثنون عليه، وهو جالس! وكان حاضراً الحفل الدكتور طه حسين، فتقدم وألقى كلمة رائعة قال فيها: إن في سيد قطب خصلتين، هما: المثالية المثالية، والعناد، فهو ليس مثاليًا فقط، ولكنه مثالي في المثالية . وذكر سيد قطب وأثره في الثورة ورجالها.. واختتم كلامه بالقول: إن سيد قطب انتهى في الأدب إلى القمة والقيادة، وكذلك في خدمة مصر والإسلام. ثم وقف سيد قطب، وألقى كلمة مرتجلة، وسط تصفيق المصفقين، وهتاف الهاتفين له. قال عن الثورة: إن الثورة قد بدأت حقًا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تفعل بعد شيئًا يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام. ثم قال سيد قطب: لقد كنت في عهد الملكية، مهيأ نفسيًا للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضًا، فأنا في هذا العهد، مهيأ نفسيًا للسجن، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل. وهنا وقف جمال عبد الناصر، وقال بصوته الجهوري ما نصه: أخي الكبير سيد: والله، لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا، جثثا هامدة، ونعاهدك باسم الله، بل نجدد عهدنا لك، على أن نكون فداء لك حتى الموت! وصفق الناس تصفيقًا حادًا متواصلاً، مع الهتاف المتكرر بحياة سيد قطب. ثم وقف الضابط: محمود العزب، وتكلم عن دور سيد قطب في التمهيد للثورة، وعن حضوره لبيت سيد قبيل الثورة، وأنه وجد عنده عبدالناصر، وغيره من ضباط الثورة! وبين نظرة رجال الثورة لسيد. ثم وقف الأستاذ أحمد عطار، وعقب على كلام الدكتور طه حسين عن سيد، فقال عطار عن سيد: إن سيد عنيد في الحق، فهو إذا اعتقد شيئًا أصر عليه، ولا يعتقد إلا الحق، وهو عنيد في كفاحه وجهاده.) استأذِنُك في أنْ أَرْقُمَ تعليقاتٍ موجزةٍ، بينما أّدَعُ بقيّةَ المساحةِ لك لِتعَلّقَ على: «الحكايةِ» بما تشاءُ. ودونكَ تعليقاتي بأوجزِ إيجازٍ: في ذكرى عبدالناصر ليس ثمّةَ مِن شيءٍ هو أكثر حضوراً مِن صُورِ أقبية السجونِ وسراديب المعتقلات والمشانق! صورة -مع تحيّةِ صولٍ كبيرٍ- للمتكلسينَ من تماسيح الناصرية. سيد قطب هل كان وقوداً لثورة 52؟! لئن كان ذلك كذلك فمن هو الأكثر أهليةً الآن في أن يكونَ وقوداً لثورة 25 يناير؟! ما أخشاهُ هو: أنّ كلّ من كان في:«الميدان» باتَ صالحاً لِأن يترشح فيكونَ:»سيدَ قطبٍ» آخر! الثورات تأكل أبناءها الأمر الذي دفع ب:«البكباشي ناصر» وَفقَ هذه المعادلة في أن يتغدّى ب:«سيد قطب» قبل أن يكون هو مأدبة عشاءٍ للإخوان! أينَ يمكننا أن نضعَ: «طه حسين» من ملحمة إعراب الثورة؟! ألم يكن:«العقادُ» أستاذ َ: «قطبٍ» هو الأولى والأجدر حضوراً؟ لربما أنّ حاسة شم: «حفلة الشواء» تلك قد أدركها العقاد بأنفه الطويل؟! يُقال إنّ :«سيد قطب» أسرّ لصديقه «عطار» في ذلك اليوم وعقب الاحتفاء به مباشرةً بما يلي:»أنّي قد بت الآن أقرب للسجن. بل أكثر استعدادا للموتِ مما كنتُ عليه في العهد السابق»! وبعدُ.. فما بقي لي سوى أن ألفت نظر من كان مهتماً بهذا الشأن إلى أن يبحثَ عن بعض من المقالات التي كانت ل «سيد قطب» وهو يمتدح فيها ثورة يوليو وضباطها ولعلّ من أبرزها مقالات: «الثورة تتسكع على أبواب الدواوين» و«نحن الشعب نريد» و«لسنا عبيداً لأحد» و«أخرسوا هذه الأصوات الدنسة» وحسب أحد المتابعين فإن سيد قطب من خلال هذه المقالات إنما كان:«يطالبهم بتطهير المجتمع من رموز الفساد، ويناشدهم ألا يتخلوا عن الشعب، بعد أن ظهر اتجاه يدعو إلى عودة الضباط إلى ثكنات الجيش وترك السياسة لأهلها، وكانت لكتاباته بالغ الأثر على ضباط الثورة وعلى المجتمع عموماً، وجماعة الإخوان بالتحديد، رغم أنه انضم إليها في فترة متأخرة، حوالى عام 1953، ومن ضمن الأفكار التي طرحها سيد قطب كانت فكرة المشاركة في الحكم، بمعنى أن يكون للإخوان المسلمين نصيبهم من الحكم، ومن ثم بدأت ملاحقته بالاعتقالات، إلى أن تم اعتقال ما عرف ب«تنظيم سيد قطب» داخل الإخوان المسلمين، وتم استشهاده في 1966 على يد عبدالناصر».