أربع سنوات مرت، ونحن خلف المكان نسطر أرواحنا، ونسكب قليلاً من الذاكرة. نُصبرُ أجسادنا المتخشبة على جدران الإسمنت ونحاول أن نرتوي بقليل من الحاضر، لكن الرحيل أصبح ذاكرتنا التي لا تنسى. في مثل هذه الأيام تمر أربع سنوات على رحيله، ولم يكن مجرد «ابن»، أو «صديق»، بل الروح الكامنة في العمق. ما كنت أتخيل نفسي أجلس للحظة واحدة أكتب مثل هذه الذاكرة التي تسكنني منذ يوم رحيله في 10 ربيع الأول 1429ه، لقد كان يوماً حافلاً بالانتظار، وأي نوع من الانتظار، الذي جعلني أتوقف عند عقارب الساعة. «دمعي سكبته، محمد فقدته.. وجعني المصاب من ضمه التراب” • كنت أردد حينها، علينا تحويل الذاكرة إلى شيء من الفرح، كي لا نشعر بالحزن دائماً، وها هو العمر يقفز بين سنواته، و”محمد” ظل متوقفاً عند تلك الذاكرة بابتسامته التي لا تفارقني، وانتظاره لتناول وجبة عشاء، ظلت معلقة بيني وبينه. تعرفت عليه أكثر في عيون الآخرين، وما أتعس أن تتعرف على من قاسمك جدران المكان خارج المكان، ومن خلال حفل تأبين أقامه له أصدقاؤه في البحرين في 1 جمادى الثاني 1429ه، سمعت كلمات حركت الساكن بداخلي، «من كان يلتقي الفقيد محمد العريض، يلحظ منه ثقته التي لا تنال من تواضعه، ويرى فيه انضباطه الذي لا يتعدى على بساطته». هكذا قالها أصدقاؤه، كما كتب الشاعر علي الدميني قائلاً (من كان يوقد حجر المكان../ ومن كان يحرص على حضور كل الأصدقاء/ ومن كان يتسلل كالماء بين الأصدقاء والصديقات والزوار، ناشرا زهر عطائه/ الهادئ/ وعذوبته العميقة/ لم يكن أحد سوى محمد العريض”. لماذا لا نتعرف على أبنائنا إلا حينما يبتعدون عنا، تعرفت عليه من خلال رفاقه وأصحابه الذين لم يستوعبوا مثلي سفره الطويل. شعرت حينها بأنني كنت أمارس سلطة خاطئة في محاولة الاقتراب منه ليكون صديقاً، وما كان همي سوى النجاح في الدراسة، بينما هو كان يخلد اسماً بين أصدقائه الذين لولا وجودهم حولي لشعرت بالوحشة. عاشق ومحب للحياة، منطلق في العطاء متسامح مع الآخرين، منكسر حينما يراني حزينا. وطيلة 21 عاماً لم أسمع صوته يعلو مع أحد، لأتذكر دائما كلمته (لا أريد أن يأتي اسم محمد العريض ولا أحد يعرفه). رحل خاطفاً البصر وتاركاً تلك الدمعة التي لا تعرف الجفاف في عيون من تعرفوا عليه. • مقطع من قصيدة طويلة كتبها الصديق والشيخ محمد المدلوح في وفاة محمد؟