في شتاء عام 2000 م سقطت الطفلة الألمانية (مارغريتا) البالغة من العمر 3 سنوات في نهر النيكارز، وحينما ابتلعتها الأمواج كانت درجة الحرارة في الماء 10 درجات، وبين صراخ الأهل وقدوم الإسعاف تطلبت عملية الإنقاذ 45 دقيقة، وأمام ألم الأم وفجيعة الأب فقد حاول فريق الإنقاذ أن يبذل قصارى جهده في عملية الإنعاش، وهي في العادة نصف ساعة، وتعتمد وصل الرئة بجهاز التنفس الصناعي، وتمسيد القلب، وحقن الأدرنالين، وضرب القلب بالصعقات الكهربية، وبعد مرور ثلاثة أرباع الساعة وكأنها الدهر، ذهل الفريق الطبي أمام استيقاظ الطفلة من الموت. ليس هذا فقط بل قامت إلى الحياة تلعب وتناغي والديها دون أي خلل عصبي، فالدماغ يبدو أنه تحت تأثير الماء البارد حفظ من التلف، وخلايا العضلة القلبية من الموت بغير رجعة. وأنا شخصيا ما زلت أتذكر شابا كرديا في القامشلي، حينما جاء ليستحم في منطقة يصب فيها النهر على شكل بركة. لم ينتبه الشاب إلى العمق، فالتهمته اللجة وإلى جانبه أمه لا تصدق اختفاءه. كنا أطفالا يومها وركضنا مع الراكضين على صرخات الاستغاثة، وبعد دقائق قليلة هرع إلى الكارثة سباح حلبي بارع بتبان أصفر (مازال لونه محفورا في ذاكرتي) قفز إلى عمق البركة لينتشل جثة لا حراك فيها، تركنا الأم ومعها الذكريات وهي تضرب صندل ابنها على رأسها وتقول «مري .. مري» .. أي مات مات باللغة الكردية. ولم يكن حظ هذا الشاب مثل حظ (مارغريتا) بسبب دفء الماء عندنا، وبرودته في نهر النيكر الألماني والطقس. وهذه الملاحظة من حفظ الحياة بالتبريد لم تبق أفكارا بل هرع إليها رواد باحثون، ولعل أولها تلك التي قام بها الطبيب (بيتر سافار Peter Safar) الذي توفي عام 2003م عن عمر 79 عاماً وبقي يعمل على مشروعه في بيتسبورج في أمريكا لإنقاذ الموتى من قبضة الموت بالتبريد منذ حرب فيتنام، فقد فاجأ الإدارة الأمريكية المتورطة في حرب فيتنام بفكرة طبية جريئة تقول، إن ما يقتل الجنود في الحرب هو الزمن فقط، فلو أمكن التدخل واللعب في الوقت لأمكن إنقاذ معظم المصابين، وحتى لو سارع الإسعاف فإنه يكون قد مر من الوقت ما يكفي لموت الجندي نزفا، وهذه الفكرة ضغطت عليه فقام بتجارب رائدة على الكلاب تحت فكرة إيقاف الموت تمثيلاً (Suspended Animation)، وكانت تجاربه على الكلاب قبل أن ينقلها إلى بني آدم.