يرى بعض المحللين الاقتصاديين : إن المجتمع مسئول عن هذه المبالغة في أسعار بعض السلع التموينية التي باتت تلتهم كل مداخيل الناس من متوسطي الحال فضلا عن فقرائهم ، وقد استمعتُ إلى أحدهم قبل أيام قليلة على التلفزيون السعودي ، يطالب الناس في حال ارتفاع سعر سلعة ما .. أن يلجؤوا إلى البدائل ، فعندما ترتفع أسعار اللحوم الحمراء مثلا .. يترتب عليهم أن يستبدلوها باللحوم البيضاء ، وعندما ترتفع أسعار الطماطم فليستبدلوها بالمعجون المعلب وهكذا ، على اعتبار أن هذا ما سيعيد للتجار والوكلاء رشدهم ليقبلوا بالحد المقبول من هامش الربح . أنا لستُ ضليعا في مسائل الاقتصاد ، ولن أدّعي فيه علما ، رغم أنني أرتاب كثيرا في جدوى هذا الإجراء ، والذي يبدو أنه جاء لمحاولة تغطية عجز الجهات المعنية عن مواجهة الجشع ، لتستأنف دورها في حماية التاجر عوضا عن حماية المستهلك . حسنا .. لنقبل بهذا الرأي على سبيل الجدل ، كيف سيتسنى لنا أن نؤسس لهذه الثقافة في مجتمع لا يزال معظم أفراده يعملون بنظرية : اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ، ومن يضمن أن التجار لن ينقلوا فحش أسعارهم بغمضة عين إلى تلك السلع التي نختارها كبدائل إذ لا رقيب ولا حسيب ؟ ، ثم ما هو الدور ، لا بل أين هو الدور الذي لعبته دائرة حماية المستهلك لتأسيس هذه الثقافة في المجتمع ، قبل أن يتم رمي التهمة عليه بأنه السبب أو على الأقل أحد أسباب ارتفاع الأسعار ؟ . وزارة التجارة تحدثت إعلاميا عن مراقبة الأسواق ، وبعد هذا الحديث مباشرة تمادت تلك الأسواق في تعلية سقوف أسعارها أكثر وأكثر ولا تزال ، وكأنها تخوض تحدياً مأمون الجانب . في البدء قالوا : إنهم لا يريدون أن يشهّروا بالتجار الذين يعبثون بالأسعار على هواهم حتى لا يسيئوا إلى أسرهم وقبائلهم ، وحين راج هذا التبرير في الصحافة على أنه نكتة الموسم بلا منافس ، أحجموا عن استخدامه ، وصمتوا وكأن الأمر لا يعنيهم ، فيما يتجرع المستهلك يوميا المرارات بلا حول ولا قوة ، وعندما طالبهم البعض بالاستعانة بمراقبين متطوعين بعد أن تذرعوا بنقص كوادرهم ، تجاهلوا الطلب وكأنه لم يكن . " طيب " .. طالما أن المحللين الاقتصاديين اليوم ، يطالبون المجتمع بكبح جماح الأسعار بالبحث عن البدائل ، وهذه قضية ثقافة اقتصادية تحتاج إلى تأسيس ، لماذا لا يسمحون بقيام مؤسسات مجتمع مدني تعنى ببث هذه الثقافة لتكتمل حلقات حماية المستهلك بشكل جدي إن كان لها من اسمها نصيب ؟ .. دعوا المجتمع يشارككم هذه المهمة طالما أن خبراءكم يرون أنه أحد أسبابها . قرار رفع سقف الحد الأدنى للرواتب ، والذي يذهب باتجاه الطبقات الأشد فقرا ، هو قرار إنساني بامتياز ، لكنه يحتاج إلى حاضنة تنظيمية تمنع من أن تلتهم هذه الأسواق المتوحشة إنسانيته ، وتجعله مجرد رقم نقدي يأتي من هنا ليطير إلى هناك .