سألني أحد الباحثين من جامعة برنستون بأمريكا ممّن جاء لزيارة الرياض هذه الأيام، عن السبب وراء إلغاء اسم حاتم الطائي من إحدى المدارس في حائل. ومع أنه سبق لي أن قرأت بعض المقالات والأخبار عن هذا الموضوع قبل فترة وجيزة، إلا أني لم أستطع أن أجيبه بدقّة وخاصّة أنه ربما يبني على إجابتي استنتاجات معينة، وكان سؤاله مرتبطًا بعلاقة ذلك بالجانب الديني. ولكني ذكرت له أن ما أعرفه أنّ منطقة حائل يُضرب بها المثل في التسامح الديني وتقبّل الآخر، وقد عُرف عنها منذ القدم أن أهلها يُرحّبون بالضيوف ويكرمونهم ولايسألون عن خلفياتهم الثقافية والدينية، وهناك حي فيها كان يسكنه الحجاج القادمون من إيران معروف باسمهم إلى هذا اليوم. وكانت جدّتي تثني على أخلاق مجموعة من الناس الذين مرّوا بحائل وتذكر أن لهم طبائع وعادات وطرقاً مختلفة في الصلاة دون أن يظهر من كلامها استنكارًا لذلك؛ لأنها تؤمن بأن كل امرئ مسؤول عن تصرّفاته وراضٍ بفكره، عملا بالمثل الشعبي: "كلن عنده تيهته بُصُر، وكلن عنده ديرته تسوى مصر". والمقصود أن كل شخص مُعجب بما يتيه به خياله من آراء لأنها بالنسبة له بصيرة سديدة، ويقاس على ذلك إعجاب المرء بوطنه وكأنه أفضل مكان في الوجود. وهذا حق طبيعي للإنسان وليس لأحد مصادرة هذا الموقف الفطري. ولأني عشت مراحل طفولتي في منطقة حائل وتعلّمت في مدارسها، ولاتزال ذاكرتي تحتفظ بأجمل المواقف التي مرّت عليّ في قرى حائل قبل الانتقال إلى مدينة حائل نفسها، فإني أثق بالمعلومات التي تؤكد على روح التسامح الديني الشائع عند أهالي حائل، وفي ذهني قصص كثيرة لمواقف متنوّعة عشتها وسمعت بها وأعرف أطرافها، وكلها تعكس رؤية السكان الوسطية للدين والتديّن. ولا أتوقّع أن الاختلاف الديني يمثل عاملا يمكن أن يدمّر العلاقات ويهدم ثقافة عريقة توارثتها الأجيال عبر السنين. طبعًا، هذا القول ينطبق على الجيل الذين هم في عمري وأكبر، أما الجيل اللاحق لنا، فربما تغيّروا بسبب الامتزاج الثقافي مع المجتمعات الأخرى وتأثروا بالتيارات الفكرية التي مرّت على المنطقة. وعليه، فمن المحتمل أن الذين سمعنا أنهم حملوا لواء تغيير أسماء العلماء والأعلام البارزين من لوحات المدارس أو الشوارع أو الأماكن العامة، كابن سينا أو حاتم الطائي، لهم صلة بالتيارات الفكرية الساعية نحو أسلمة المجتمع بطريقة ضيّقة، إذا علمنا أن ابن سينا من العلماء المسلمين البارزين. ولا ينكر العارفون بالمنطقة تسلل الفكر المتشدد إلى التعليم منذ سنوات قريبة، وقد حضرت قبل أربع سنوات لقاء في نادي حائل الأدبي، قام فيه أحد الإخوة بإلقاء كلمة يلوم فيها الإعلام على إعطاء المرأة مجالا للحضور والظهور ظنًا منه أن ذلك مدعاة للفساد. وأعقبه كلمة من آخر، قام مفندًا كلام من سبقه مُوضحًا أن الأفكار التي قيلت قبل قليل لاتمثل حائل ولا أهلها بل تمثل جهة أخرى؛ وأوضح -وهو رجل كبير في السنّ وله مكانة علمية مرموقة- بأنّ أهل حائل يفتخرون ببناتهم ويشجّعونهن على التقدّم والبروز في مختلف المجالات ولايجدون عيبًا في ذلك؛ فصفق له الحضور في إشارة إلى أن الأغلبية يتّفقون مع هذا الاتجاه الإيجابي في النظر إلى المرأة واحترامها. وعودًا إلى موضوع المدرسة، فقد سألت بعض الإخوة في حائل عن اللغط المثار حول اسم مدرسة حاتم الطائي، فاتّضح أن المدرسة تأسّست قبل خمس عشرة سنة في مدينة حائل. وهناك روايات متعددة، منها أن أحد مشجعي الأندية اقترح حذف كلمة "الطائي" لكونه يشجّع ناديًا آخر دون أن يخطر بباله البعد الثقافي والرمزي الذي يحمله الاسم. ويبدو أن الأمر أخذ بُعدًا آخر فأُسبغ عليه جانب ديني، وتلافيًا للقلاقل وقتها استجابت وزارة المعارف سابقًا ووافقت على حذف اسم الطائي وبقي اسم حاتم. ويؤيد هذا الرأي الشهادات والمراسلات والختم الذي يحمل الاسم القديم قبل التغيير. وهناك آراء أخرى تؤكد أن الاسم كان في الأصل مقتصرًا على حاتم وأن القول بوجود الطائي هو مجرد اجتهاد. والواقع، أن الناس -في الغالب- إذا سمعوا اسم حاتم ومنطقة حائل، فإن الذي يرد إلى أذهانهم مباشرة هو حاتم الطائي، وليس من المتوقع أن تُسمّي إدارة التعليم مدرسة باسم مفرد مثل حاتم لايعلم من هو على وجه التحديد. ولم أوفّق في مهاتفة الأستاذ حمد العمران مدير التعليم في حائل الذي أعرفه منذ أن كان مديرًا للتعليم في الزلفي، لمعرفة الرأي الرسمي في هذا الأمر. ولأن حاتم الطائي يمثل رمزًا للكرم في الثقافة العربية كلها فيقال "كرم حاتمي"، فإن الدراسات التي عنيت بأخلاق العرب وشيمهم وضعت الكرم على رأس الخصال التي تميّز العرب وذكرت الطائي ممثلا لهذه القيمة. وإذا كان المسوّغ في استبعاد اسمه هو أنه عاش قبل الإسلام، فإن كثيرًا من الشعراء والفرسان والقيم كانت موجودة قبل الإسلام ولايزال الناس يفتخرون بما أقرّه الإسلام منها ويمارسونها. وقد سمعنا أن هناك من يريد حذف أي شيء له صلة بالطائي من شوارع وأندية وغيرها بالحجة نفسها. وإذا كتب الاستمرار لهذا الاتجاه القاضي باستبعاد الرموز والقيم القديمة، فنتساءل حول الرمز التالي والقيمة التالية التي ستحذف؛ هل نلغي أشعار العرب وأمثالهم وحكمهم وأسماءهم التي كانت قبل ظهور الإسلام لا لشيء إلا لأنها سبقت الإسلام؛ مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوضح أنه جاء ليتمّم مكارم الأخلاق؟ وفي الختام، فإن تصحيح الخطأ مقدّم على تبريره بإعادة اسم حاتم الطائي إلى المدرسة ليكون دالا على ذلك العلم الشهير، وهناك مدارس كثيرة في الرياض وغيرها تحمل الاسم نفسه، ولم تكن موضع شبهة كما حصل في موطنه. وبالله التوفيق.