بعد عدة أيام من نشر ما كتبت عن «فايز ابا» هاتفني صديق مشترك قال معاتباً.. بدلاً من القول إنك كنت تتمنى بكتابة رواية عنه.. وما إلى ذلك من سفاسف.. كان أولى بك ان تطلب من فايز كتابة رواية أو أكثر عما أردت ان توحي بإمكانية الكتابة عنه من تفاصيل ثرية تصلح لأن تكون مادة روائية رائعة.. خاصة وان كتابة الرواية ليست «حكراً» على أحد.. وكثير من أعلام الثقافة والأدب أمثال طه حسين والعقاد ولويس عوض كتبوا أعمالاً روائية جميلة ومؤثرة.. كما ان لدينا من كتب أعمالاً جميلة دون «سوابق» إبداعية. كاد يتهمني بالتقليل من شأن فايز ابا عن قصد أو غير قصد.. غير أنني شرحت له وجهة نظري مؤكداً على أنني أتمنى بمحبة واخلاص ان يقوم فايز بمثل هذه المهمة.. وان عيبي الوحيد أنني مثلما استصحبتها على نفسي افترضت أنها قد تصعب عليه لأسباب شديدة الوجاهة أهمها يكمن في القول إن فايز عاش «مجموعة حيوات» في حياة واحدة.. أتمنى ان تطول وتكلل بالصحة والعافية. وفي هذا السياق أعتقد ان وضع مخطط أو «خارطة» لمثل العمل الروائي الذي أحرض على كتابته.. سوف يستغرق ما يقرب من عام.. إلى ان يضع يده على نقطة البداية. وعلى سبيل المثال.. إذا أراد ان يبدأ من الطفولة.. فهذا عمل مستقل.. أبطاله هم شخوص حياته طفلاً.. ومحيط الأسرة.. وكبار الحارة.. وأحوال مكة المكرم وحي «المسفلة» حينذاك.. والمؤسسة التعليمية من الكتاب حتى نهاية مرحلة الابتدائية.. والحرم الشريف ودروس حفظ القرآن الكريم وأبرز الشخصيات التي عايشها وأثرت في محيطة الاجتماعي.. وبينها شخصيات شديدة الثراء يذكر مواقف بعضها أحياناً ليروي ما هو مدهش أو غريب أو حتى طريف.. ولا شك ان بعض من عرف في تلك السن قد تستغرق شخصياتهم عملاً روائياً خاصاً وليس مجرد إشارة أو فصل أو حتى عدة فصول. أما إذا انتقل لمطلع شبابه فإن الأمر سيكون - كما يبدو لي - أكثر تعقيداً.. لشدة خصوبته.. لأن كل من يعرف فايز ابا يدرك ان لديه شخصية ذات «جاذبية» خاصة.. جعلته قادراً على معرفة ومصاحبة عدد كبير من الناس من مستويات ومشارب متباينة.. وعدد كبير ممن عرف لهم مميزات أقل ما يقال عنها إنها تصلح لأن تكون روائية نادرة وثرية. أما بعد ان انتزع حق استقلاليته وعاش مرحلة عزوبية خصبة.. فإنها كانت أيضاً ثرية بتنوع مشارب شخوصها.. إلى حد يمكن القول معه.. ان كل الذين عرفهم من «أهل الثقافة والإبداع».. يأتون فوق «البيعة» بإضافتهم لمعارفه.. فهم ليسوا «اللاعبين الأساسيين».. وربما ولا حتى «الاحتياط».. وهل نقول ان معظمهم لم يكن ولا حتى في الفريق «الرديف».. الأمر الذي يجعل المطالبة بكتابة رواية عن كل ما يعرف ولا نعرف يبدو أشبه ب «التعجيز».. ويحتاج إلى نوع صعب من التنظيم واختيار الفترة الزمنية.. وتحديد هويتها وأحداثها وشخوصها.. والسياق الروائي والبناء الذي سوف يحركها. لكن ما طلبته كان أسهل بكثير.. لأن من سيكتب سوف يرى فايز ابا في سن محددة.. وفي حياة محددة يمكن رسم كثير من تفاصيلها.. وتحديد معاملها.. ورصد حركتها في الإطار الذي عرفه.. أي في أقل القليل من حياة هذا الرجل الجميل الخصب الحياة والمخيلة. في هذا السياق يروى ان «المعلم» الكبير نجيب محفوظ.. كتب ثلاثيته الشهيرة دفعة واحدة في مالا يقل عن الألف صفحة.. وذهب بها للكاتب يوسف السباعي الذي كان يرأس تحرير مجلة المجلة الثقافية الشهرية المتوقفة منذ زمن بعيد جداً.. عندما رأى يوسف السباعي العمل أصيب بالدهشة.. وسأل كيف يمكن نشر العمل في كتاب بعد نشرة مسلسلاً في حلقات.. وبدا ان ذلك شبه مستحيل لذلك اقترح على «المعلم» ان يقوم ب «تقسيمة» إلى عملين أو أكثر.. فكان ان تم تقسيمه إلى «بين القصرين».. «قصر الشوق».. «السكرية».. وهي الصيغة التي عرف بها.. وقبل ان يروي نجيب محفوظ «حكاية الثلاثية» كان كل من قرأها يظن ان كلاً منها كتب مستقلاً عن الآخر.. ويستغرب ان تلك هي مبادرة.. شهيد السلام «يوسف السباعي» الذي لا يمكن قياس موهبته الروائية بمواهب نجيب محفوظ.. وان كان تقديره «الفني» للعمل مذهلاً.. وعاد على الكاتب والقارئ بفائدة عظيمة وجعل حيثيات جائزة نوبل تبنى على تحليل هذا العمل الروائي الرائد. بعد هذا.. سوف يضحك فايز ابا مني ومنك - هكذا قلت للصديق - وسوف يقول لمن حوله: - كلهم يبغوا من هاد!! - يابويا والله هادا ما يصلح..؟! - يقولك لا أبغاه.. - وهيا يا عمنا.. يبغى من هادا.. اعطيه وخلينا نشوف كيف يصير حاله.. وسوف يضحك.. وينظر اليّ ويقول: - يا واد بلا ......... شايف كيف.. باخشوين يقول.. أنا مالي صلاح.