منذ الوهلة الأولى التي تحركت فيها شفتاي لنطق أول حرف في حياتي أدرك من كانوا حولي أنني مصاب بداء التأتأة، وعقدة في لساني، نتيجة عوامل وراثية لا علاقة لها بالحالات والصدمات النفسية، ومنذ أن أدركت ذلك بدوري في سنوات عمري الأولى، وأنا متعايش مع هذا التعثر في الكلمات والجمل برغم كل ما يحمل ذلك من تحديات مختلفة خصوصا على المستوى الاجتماعي والأكاديمي. وكلما كانت البدايات متعثرة زاد حجم التحديات في التصحيح والوصول لتحقيق النجاح المرجو، كما هو الحال مع مسلسل الخلاط، الذي صدر مؤخرا عبر المنصة العالمية الشهيرة "نتفليكس" بعد ترقب دام لفترة من الزمن، فمنتج العمل "قناة تلفاز 11" يحظى بعلاقة وجدانية مع الشعب السعودي منذ انطلاقها في عام 2011م عبر منصة "يوتيوب" من خلال برامج "لا يكثر" "خمبلة" "التمساح" فليم" وغيرها من البرامج التي استقطبت ملايين المشاهدات آن ذاك. وكما شهدت كلماتي الأولى تعثرا في التسلل بين شفتي لتُكوّن جملا مفهومة لدى السامعين، شهدت انطلاقة مسلسل الخلاط في نسخته الثانية، تعثرا من خلال حلقته الأولى "آخر محطة" والتي كانت على الرغم من حملها لرسالة سامية، والظهور المميز للنجم محمد الدوخي في شخصيته "أبومرداع" لم تخلُ من بعض الملاحظات على مستوى السيناريو والحوارات المقتبسة من الأفلام والمسلسلات الأجنبية، وإقحام بعض الشخصيات في الأحداث بدون مبرر أو مسوغ لها "الفتيات في سيارة المرسيدس"، وكذلك الربط الزمني الذي يعطي انطباعا في بعض الأوقات أن القصة حدثت في أوائل الألفية الجديدة، من خلال سيارة العائلة القديمة، وملابس "راكان" وتغنيه بكلمات أغنية "سر حبي فيك غامض" للراحل أبوبكر سالم، إلا أن بقية التفاصيل تؤكد أنها في الزمن المعاصر، مثل سيارة المرسيدس، وقيادة المرأة في المملكة، وسيجارة راكان الإلكترونية. وبما أن البدايات المتعثرة لا تعني بالضرورة الاستسلام والبقاء في زاوية حلبة الملاكمة لتلقي اللكمات تباعاً، كانت حلقة "لسان معقود" بداية التصحيح للارتقاء بالأحداث إلى سمعة المنتج والمخرج الفذ علي الكلثمي المتميز بطابعه الخاص الذي لا يشبهه فيه أحد، حيث تميزت هذه الحلقة بترابط الأحداث منذ البداية حتى النهاية، مستعينا بذلك ببعض الأساطير من الموروث العربي والشعبي مثل أسطورة "وادي عبقر" الذي اشتهر بأنه موطن للجن والشياطين ومصدر إلهام الشعراء في الجاهلية، ورمزية الخاتم وعلاقتها بالجن، كما عزف الكلثمي على وتر الجدل المستمر حول حقيقة هبوط البشر على القمر منذ 20 يوليو 1969، مع "نيل أرمسترونج " و"باز ألدرين" على متن أبولو 11، إلى اليوم، في حلقة "سباق المريخ" ليخرج بعمل شيق استطاع فيه أن يجعل صحراء المملكة مسرحا لسباق بين أكبر قوتين صناعية في العالم. وبالعودة للعلاقة الوجدانية بين المشاهدين وقناة تلفاز 11، لم يغفل صانعو العمل عن استثمار ذلك من خلال إقحام ملصقات جدرانية لأحد أبرز أعمالها الناجحة "خمبلة" في الحلقة الأولى "آخر محطة" في خطوة لاستثارة عاطفة المشاهد وتذكيره بذلك العمل المميز ليعيش في حالة "نوستاليجيا" تجبره على الشعور بالرضا، والتعامل بإيجابية مع بقية المشاهد حتى لو اعتراها الضعف كما هو الحال في حلقة "انتقام جربوع" التي لم تكن في مستوى بقية الأعمال، وإن حملت رسالة توعوية للحفاظ على الحياة الفطرية. ولأن صحراءنا لا تفاوض.. فلا يمكن أن تكون معبراً آمناً للتهريب بالرغم من اتساعها وترامي أطرافها، وفيها تتحول الرمال المتحركة إلى مسرح لعرض الجَمالِ، وحلبة للسجال الشعري، وفيها يمكن أن نصنع أكبر المنجزات بشكل واقعي وحقيقي بعيداً عن التزييف والتزوير، وفيها يصدق قول الشاعر الكبير "مانع بن شلحاط" "انتي بشر ولا ملاك .. إلا ملاك إلا بشر.. انتي حقيقة ياترى أو ياترى ولا خيال"، كلمات كانت على وقعها شارة نهاية العمل الذي كان في مجمله جميلاً مع ما اعتراه من انعقاد لسان بدايته، وانحلال ذلك في نهايته، وكأني بالكلثمي قد امتثل قول سيدنا موسى عليه السلام: "واحلل عقدة من لساني، يفهموا قولي" كما أكرر وأدعوا أنا بدوري في كل مرة.