ليس أصعب على المرء من أن يجد سهم الخديعة ينطلق من قوس كان يظنها ذراعه، ولا أقسى من أن تكتشف الدول أن الأمان الذي وفرته للغير كان مأوى لقلوب تضمر غير ما تظهر. ما تشهده الساحة الخليجية اليوم من صدمة وجدانية تجاه مواقف بعض النخب والجاليات العربية، ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو زلزال يضرب مفاهيم الإخاء والمصير المشترك في مقتل. تكمن المفارقة الصارخة في تلك الثنائية المتناقضة؛ نخب ومغتربون بنوا أحلامهم، وشيدوا ثرواتهم، ومنحوا أبناءهم تعليما وحياة كريمة تحت سماء الخليج العربي وفي كنف استقراره، لكنهم عند أول منعرج وجودي تهدد فيه الصواريخ والمسيرات المدن الخليجية، تحولوا إلى جوقة تصفيق للمعتدي. إنها ظاهرة انفصام الولاء، حيث تستهلك الموارد في مكان، وتُمنح العواطف السياسية لخصم لا يقدم لتلك الشعوب سوى الشعارات الفارغة والميليشيات العابرة للحدود التي لم تترك خلفها إلا الرماد. يفسر هذا الجفاء في الوعي الخليجي المعاصر أنه مزيج مركب من الحقد والحسد من بعض تلك النخب العربية؛ فهناك نظرة استعلائية قديمة حاولت تصنيف النهضة الخليجية كمجرد طفرة مادية، وحين أثبت الخليج العربي أنه مشروع حضاري وعمق استراتيجي متماسك، تحوّل هذا الشعور لدى البعض إلى رغبة دفينة في رؤية هذا النموذج يتهاوى، فأصبح التصفيق للتهديدات وسيلة للتشفي من استقرار عجزت مشاريعهم المؤدلجة عن تحقيقه. لقد سقطت العروبة كقيمة أخلاقية لدى هذه الفئات، وتحولت إلى قميص عثمان يُرتدى فقط للمطالبة بالدعم والمؤازرة، ويُخلع عند ضرورة الوقوف في خندق الدفاع عن الأمن القومي العربي، إذ كيف يستقيم التباكي على قضايا العرب مع دعم مشروع تغلغل في العواصم العربية ليزرع فيها التبعية والفرقة؟ إن وصفنا لأولئك الحاقدين ب«المطايا» ليس مجرد انفعال لغوي، بل هو توصيف دقيق لمن قبِل أن يكون أداة في مشروع هدم لبيته الكبير مقابل أوهام الأيديولوجيا. لقد ولّى زمن العروبة العاطفية التي تغفر الطعنات تحت مسمى القومية، واليوم يعيد الخليج العربي صياغة وعيه الجمعي بناء على مبدأ المكاشفة؛ فمن ليس معنا في وقت الشدة، لا يمكن ائتمانه في وقت الرخاء. * بصيرة: الأمن ليس مجرد مظلة يستظل بها العابرون، بل هو عهد غليظ يصان بالوفاء، والملح الذي لا يحفظ الود في الشدائد، لا يعوّل عليه في بناء المستقبل.