أزعم أني من المنصتين الجيدين، الذين يملكون زمام ألسنتهم حين يحتمي وطيس الحديث، وتتجاذبه ألسن الحاضرين المدفوعين بشهوة الكلام، إذ الإنصات فضيلةٌ تعلو بصاحبها، وبخاصة في حضرة كبار السن، من درستهم الأيام وصقلتهم التجارب؛ واتخذوا من عثراتهم سُلمًا للصعود، وللعبرة والاتعاظ! الأسبوع الفائت سنحت لي الفرصة لأكون منصتًا، ومُستغرقًا بين كلمات الكبار وملامحهم، الذين تنوعت أحاديثهم لكنها لم تبرح نافذة الذكريات، وعبق الماضي، وتجارب السابقين ووصاياهم! وكأني بهم قد زهدوا في اليوم، وأوصدوا باب الغد، واكتفوا بالأمس مقرًا ومُقاماً. الحقيقة أني عشت مُتنقلًا ومُقارنًا بين بداياتهم العتيقة والمضنية، وبين ما عشناه على أيامنا، وما يعيشه جيل الشباب اليوم. إذ تحدث الكبار عن شغف البدايات، وقلة الخيارات، وعن وعورة الطريق، وضيق ذات اليد، والغربة عن الأهل، وعن الوطن، تحدثوا عن أول نجاحاتهم، ومن شاركهم أول فرحة لهم، ولم ينسوا من ساندوهم، ومن أخلصوا لهم النصح، ومن مدوا لهم يد العون في أحلك الظروف. كانت رحلة شيقة مع التاريخ، تاريخ الجيل الذهبي في مسيرة مجتمعنا. كانت أحاديث مُثريةً ولافتةً للانتباه في كل تفاصيلها، وأكثر ما شد انتباهي هو ذلك الوجد الغامر في ذاكرتهم عن العيد، فقد كان الومضة المشرقة حتى في أيام شدتهم، وحين ابتعاد بعضهم خارج بلادهم، فالعيد محطة فرحٍ مقبلة بعد رحلة متعبة، هناك حيث يجتمع الأقارب والأصدقاء والمعارف، بل والغرباء الذين يربط بينهم الدين، الذي تحت مظلته تعم روح السلام والبهجة. استعاد الكبار ذكريات العيد بمزيدٍ من التأمل وإصرارٍ على التفاصيل، حتى رأيت وشعرت معهم بطيف المشاعر الغامر، حيث الكثير من السعادة والدفء، يمازجه شيءٌ من الحزن، وربما الحسرة على ما مضى ولن يعود، كانت المقارنة بين عيد الأمس وعيد اليوم أقسى محطات الكلام. الفارق شاسعٌ بين عيدين، عيدٌ يُنتظر بروح اللهفة والمحبة والألفة، وحين يأتي يأتي مُصلحًا ما خربته الأطماع والأيام وبعض الأفهام، فالعيد في حياة الطيبين «يجبُّ ما قبله»، ولا صوت يعلو فوق صوت السلام! وعيدٌ أضحى يمر كالغريب في ديارٍ لا أنيس بها! هُنا لاح في خاطري حسرة المتنبي، وتساؤله المرير مع فارق المسافات الزمانية والمكانية: عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ.