تصاعد الاعتداءات الإيرانية على دول الجوار المسالمة دليل على صراع متصاعد بين النخب السياسية القديمة والنُخب السياسية الجديدة المنادية بالسلام وعلاقات حُسن الجوار.. وعليه، فإن التفاعل مع الممارسات العدوانية الإيرانية تجاه جوارها الجغرافي يتطلب الصبر والحكمة والعقلانية لأنها ستسهم بانتصار المنادين بالسلام على المتطلعين للحرب والصراع.. باغتيال علي خامنئي، المُرشد الثاني لإيران (1989 - 2026م) بعد الخُميني المُرشد الأول لإيران (1979 - 1989م)، في 28 فبراير 2026م بضربات عسكرية إسرائيلية على طهران، تفتقد السّاحة السياسية الإيرانية لشخصية جامعة تتفق عليها، وتؤمن برؤيتها، معظم، إن لم يكن جميع، النخُب السياسية الإيرانية بمختلف توجهاتها الأيديولوجية والفكرية والسياسية. نعم، فعلى مدى سبعة وثلاثين عاماً من السيطرة المطلقة لخامنئي على السلطة بإيران، استطاع توحيد النُخب السياسية الإيرانية على أيديولوجية واحدة، وفكرة واحدة، وتوجه واحد، حتى أصبحت إيران مستقرة سياسياً وأمنياً في الداخل، وتعمل باستمرارية على تنفيذ خُططها واستراتيجياتها التوسعية خارجياً. وبانقضاء عهد علي خامنئي كمُرشد أعلى لإيران، تنقضي معه الوحدة السياسية الجامعة التي كانت تجمع النُخب السياسية الإيرانية على توجه واحد وفكرة واحدة. وتأكيداً لانقضاء عهد الوحدة السياسية الجامعة للنُخب الإيرانية بعد اغتيال علي خامنئي، ما شاهدناه من تناقض في المواقف السياسية الصّادرة عن النُخب الإيرانية تجاه الاعتداءات على دول الجوار في الخليج العربي. وهذا التناقض عبّرت عنه تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من جهة، والممارسات العسكرية العدوانية من جهة أخرى. نعم، ففي الوقت الذي أوردت فيه وسائل الاعلام الدولية، ومنها CNN في 7 مارس 2026م، تصريح الرئيس الإيراني الذي قال فيه: "أعتذر شخصياً للدول المجاورة التي تعرّضت لهجومٍ من إيران. لا نعتزم مهاجمة الدول المجاورة، وكما قلت مراراً وتكراراً، فهم إخوتنا. وأضاف أن مجلس القيادة الثلاثي، الذي يتولى الحكم المؤقت لإيران: أبلغ القوات المسلحة بأنه لا ينبغي من الآن فصاعداً شنّ أي هجوم على الدول المجاورة أو إسقاط صواريخ عليها إلا إذا أرادت هذه الدول مهاجمتنا". نجد في المقابل عدم امتثال المؤسسات العسكرية الإيرانية لتصريحات الرئيس الإيراني حيث عملت على تجاهله وواصلت اعتداءاتها العسكرية على دول الجوار في الخليج العربي وبشكل متصاعد. نعم، إن حدوث التناقضات بين النُخب السياسية في النظام السياسي الإيراني مسألة طبيعية، وإن تصاعد الصراع بين النُخب السياسية الإيرانية مسألة متوقعة، وإن تصادم النخب السياسية المسيطرة على مراكز القوى في إيران مسألة ليست مُستبعدة، وذلك لاعتبارات عديدة منها: 1) غياب الشخصيات الوطنية الكبيرة التي أسهمت بالثورة الإيراينة مع الخميني في 1979م. 2) غياب الشخصيات الوطنية المؤثرة التي أسهمت بتأسيس النظام السياسي الإيراني تحت قيادة الخُميني في القترة من 1979 إلى 1989م. 3) غياب مُعظم أبناء جيل الثورة الخُمينية وما صاحبها من أفكار وتوجهات وأسباب ومسببات كانت حاضرة في الفترة من 1950 إلى 1989م. 4) بروز شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية جديدة لم تشهد الثورة ولم تسهم بتأسيس النظام السياسي الذي يحكم مُنذُ 1979م. 5) ظهور أجيال جديدة من الإيرانيين لم يشهدوا الثورة وأحداثها وأسبابها، ولم يسهموا بتأسيس النظام السياسي الذي يحكمهم ويدير شؤونهم. 6) عدم قدرة النُخب السياسية القديمة على تحقيق التنمية الشاملة للشعب الإيراني يضعها في مواجهة الأجيال والنُخب السياسية الحالية من أبناء إيران. 7) عدم قدرة النُخب السياسية القديمة على حماية المصالح الإيرانية، ورفع العقوبات الدولية عنها، والاندماج بالمجتمع الدولي، يضعها في مواجهة الأجيال والنخب السياسية الحالية من أبناء إيران. 8) تطلع ورغبة الأجيال والنُّخب السياسية الحالية من أبناء إيران برؤية دولتهم متقدمة ومتطورة ومندمجة بالمجتمع الدولي يدفعهم دفعاً نحو انتزاع السلطة من النُخب السياسية القديمة التي لم تتمكن من تحقيق تطلعات ورغبات وآمال أبناء الأجيال الحالية. 9) التقدم والتطور العظيم الذي تشهده دول الخليج العربية مقارنة بالتراجع الكبير في مجالات التنمية داخل إيران، يدفع الأجيال والنُّخب السياسية الحالية في إيران للأخذ والعمل بالمنهج البناء الذي تبنته وعملت عليه القيادات السياسية لدول الخليج العربية، والابتعاد عن منهج الهدم والخراب والصراع الذي تبنته وعملت عليه القيادات السياسية الإيرانية مُنذُ عام 1979م، مما يتسبب بمواجهة حتمية وصدام بين النُّخب السياسية الإيرانية. وفي الختام، من الأهمية القول إن تصاعد الاعتداءات الإيرانية على دول الجوار الجغرافي المُسالمة دليل على صراع مُتصاعد بين النُخب السياسية القديمة المتطلعة لاستمرار سيطرتها على السلطة، والنُخب السياسية الجديدة المنادية بالسلام والحوار وعلاقات حُسن الجوار. وعليه، فإن التفاعل مع الممارسات العدوانية الإيرانية تجاه جوارها الجغرافي في الوقت الذي تتعرض فيه لاعتداءات إسرائيلية، يتطلب الصَّبر والحكمة والعقلانية لأنها ستسهم بانتصار المُنادين بالسَّلام والحوار وعلاقات حُسن الجوار من النُّخب السياسية الإيرانية على المتطلعين للحرب والصراع والعدوان.