في ظاهرة لافتة تتكرر بشكل شبه منتظم، بات تغيير الهوية والشعارات أول ما يشغل بال القادة الجدد فور توليهم مناصبهم، سواء في الأجهزة الحكومية أو شركات القطاع الخاص؛ فما إن يستقر المسؤول في مكتبه حتى تبدأ مشاورات حثيثة مع مصممي الجرافيك، وكأن الشعار القديم الذي رافق المؤسسة لعقود أصبح عبئاً يجب التخلص منه فوراً؛ هذه الظاهرة التي تحولت إلى نمط سائد في بيئة العمل الحكومية وقطاع الأعمال المعاصر تثير تساؤلات جوهرية حول دوافعها الحقيقية؛ فقد شهدنا وزارات ومؤسسات حكومية عريقة تتخلى عن هوياتها الراسخة في ذاكرة المجتمع، وشركات كبرى تستبدل شعاراتها التي صاحبتها لأجيال، مما أثار جدلاً واسعاً؛ حيث يتأرجح هذا التوجه بين كونه رؤية تجديدية ضرورية، وبين كونه رغبة في ترك بصمة شخصية تعكس طموحاً فردياً أكثر من حاجة مؤسسية حقيقية. لا يمكن إنكار أن تغيير الهوية قد يحمل فوائد ملموسة، لكن هذه الفوائد ومبرراتها تختلف جذرياً بين القطاعين؛ ففي الوزارات والمؤسسات الحكومية، قد يبرر التغيير عند دمج جهات أو إعادة هيكلة جذرية تستوجب هوية موحدة، أو عند تحول رقمي شامل يتطلب إشارة واضحة للمواطنين بتطوير الخدمات؛ كما قد يساعد في إعادة بناء الثقة بعد أزمات إدارية استوجبت انفصال الرمزية مع الماضي؛ أما في شركات القطاع الخاص، فقد يعكس الشعار الجديد تحولاً استراتيجياً حقيقياً كالتوسع في أنشطة جديدة أو دخول أسواق مختلفة، أو قد يساعد في تجاوز أزمات سمعة عميقة؛ كما يمثل التجديد البصري أداة تنافسية لمواكبة التطورات التكنولوجية وتغير أذواق المستهلكين، خاصة في قطاعات كالتقنية والاتصالات والأغذية؛ ولكن تظل مبادرة التغيير في كلا القطاعين، وكأنها تمنح قرار القائد رسالة رمزية فحواها بأن عهداً جديداً قد بدأ، مما قد يعزز الحماس الداخلي. غير أن الآثار المترتبة على هذا الهوس تتضاعف حين نقارن بين القطاعين، فهي أكثر حساسية في الجهات الحكومية تحديداً؛ فالهوية البصرية أصل معنوي يتراكم عبر الزمن ويكتسب قيمة مضافة، وتغييرها المتسرع قد يؤدي إلى ارتباك وفقدان للثقة المؤسسية؛ ففي الجهات الحكومية، الأمر أبلغ أثراً لأن الأموال المهدرة هي أموال عامة، وهذه الجهات لا تخضع لضغط المنافسة الذي قد يبرر التجديد؛ علاوة على ذلك، الهوية الحكومية مرتبطة بالاستمرارية والثقة أكثر من الابتكار البصري، فالمواطن يبحث عن كفاءة الخدمة لا جاذبية تسويقية؛ أما في القطاع الخاص، فقد تتحمل الشركة خسائر مالية وتراجعاً في الحصة السوقية نتيجة فقدان التعرف على العلامة، لكن القرار يبقى مسؤولية إدارية قد يصححها السوق؛ وغالباً ما يتخذ ذلك القرار لدوافع شخصية، حيث يسعى القائد لترك إرثاً بصرياً دون دراسة معمقة للتأثيرات طويلة المدى؛ لكن تبقى المعادلة الحقيقية هي كون هذا التغيير استجابة لضرورة استراتيجية ملحة، أم مجرد موضة إدارية قد تكلف المال العام والسمعة المؤسسية أكثر مما تضيفه من قيمة حقيقية.