كما يمتنع البعض عن تناول مسكّن للصداع إنكاراً للحاجة إليه أو خوفًا من الاعتياد عليه، يخاصم بعضهم اليوم أدوات تقنية وُجدت لتخفيف العبء عن الحياة المهنية واليومية، وجعلها أكثر وضوحاً وسرعة. هذه الخصومة تغذّيها التوجّسات من المجهول ومقاومة التغيير أكثر مما تغذّيها تجارب واقعية؛ إذ تكشف استطلاعات رأي حديثة أجرتها «يورونيوز العربية» (2025) عن قلق واسع النطاق بشأن مستقبل الوظائف، حيث عبّر 71 % من الأمريكيين عن تخوفهم. غير أن هذا القلق، رغم ضخامته، لا يستند في الغالب إلى فقد فعلي، بل هاجساً يسبق الفهم ويقاوم التكيّف؛ فالواقع يؤكد أن كثيراً من العاملين تقبّلوا هذه الأدوات وأدمجوها بوعي نقدي داخل صميم أعمالهم اليومية. وفي الأوساط الأكاديمية والبحوث الرصينة، يرتكز التحفظ تجاه هذه التقنيات خيفة أخلاقيةً ضرورية؛ إذ يبرز التحرز من أن تتحول الأداة إلى بديل عن ملكة التأمل والتفكير والإبداع، أو أن تمس جوهر الفكرة والتحليل العقلاني. وهو توجس يؤكد حرصاً منطقياً ومشروعاً على الأمانة العلمية، وخشية من استسلام مفرط إلى الآلة قد يُضعف ممارسة التفكير النقدي بدل أن يدعمها ويُخرج مهارتها. إلا أن المشهد المشهود يؤكد، بشكلٍ لافت، حضور استخدامٍ متزن؛ إذ تُظهر الاستطلاعات الحديثة أن أكثر من ثلثي المهنيين يوظّفون هذه التقنيات في أعمالهم اليومية وهم على درايةٍ بحدودها. فالاستخدام هنا لا يعني تسليم، ولا الاستفادة تعني ثقةً مطلقة. وهذا الفارق بين الإقبال والتحفّظ هو ما يصوغ صورة "المستخدم الحذر" الذي يأخذ من الأداة ما يعينه، دون أن يفرّط بملكات التفكير والتدقيق والمراجعة. وهذا التخوف ليس جديداً في تاريخ الرفض والقبول؛ فخلف كل تحوّل تقني كبير مخاوف تسبق الفهم والاستيعاب. هكذا خشي البعض يوما من إفساد المطبعة لجمال المخطوطات، وتوجس آخرون من تعطيل الآلة الحاسبة لعقول الطلاب، وصولا إلى اتهام الإنترنت في بداياته بتمزيق المعرفة. ومع ذلك، انتهت هذه الأدوات إلى تسهيل العمل البشري واختصار الزمن أمام العقل، ونعيش اليوم المشهد ذاته مع الذكاء الاصطناعي. إن توظيف التقنية الذكية يمنح الكاتب القدرة على التحرّر من "الوقت الإجرائي" الضائع في التنسيق والمراجعة، ليكرّس جهده لما هو جوهري: بناء الفكرة، ربط المعاني، وصياغة البصمة الإنسانية التي تبقى عصية على أقوى الخوارزميات. ترافق التقنية الكاتب المبدع والحاذق كأداة مساندة، تخدمه دون أن تتحكم فيه، فتظل إبداعاته أصيلة، ورأيه محتفظاً ببصمته، ولغته من بنات أفكاره. وتكمن العبرة، في النهاية، في كفاءة من يستخدم الأداة لا في الأداة نفسها؛ فكما يخفف المسكّن الألم دون أن يصنع الداء، تساعد التقنيات الذكية على اختصار الوقت وترتيب العمل دون أن تبتكر الأفكار أو تمنح المعنى. في هذا التوازن، يقود العقل البشري العملية، ويبقى الفكر الإنساني حياً، والبصمة الإنسانية صامدة، لا يمكن لأي آلة أن تحل محلها. محمد بن مساعد العصيمي