المعايير المتوقعة من المعد المحترف واضحة: فهم عميق لهوية البرنامج وأهدافه، قدرة على البحث والتحليل، شغف بالاطلاع والابتكار، مهارة في صياغة المحاور والأسئلة، ووعي بإدارة الوقت والمساحة.. في الأشهر الماضية، وصلتني عدة تواصلات من بعض المعدّين الذين يعملون في بعض البرامج التلفزيونية بإحدى القنوات، كان القاسم المشترك بينها ليس غرابة الموضوعات فحسب، بل بعدها الكامل عن مجالي وتخصصي، طُلب مني الحديث عن العاملات المنزليات في رمضان، ثم عن قضايا عقارية، ثم عن استخدام الأدوية دون وصفة طبية، ثم عن العزوف عن الزواج، والحقيقة أن إبداء الرأي ممكن في أي شأن عام، لكن السؤال الجوهري ليس: هل وأنا أتحدث سأكون مثل المتخصص؟ بل: هل وجودي سيُثري الحلقة؟ وهل يخدم محتوى البرنامج ويشبع المتلقي؟ هنا تتكشف أزمة أعمق من مجرد اختيار موضوع؛ أزمة فهم لمهنة الإعداد التلفزيوني ذاتها. الإعداد التلفزيوني وحتى الإذاعي أو غيره من المنصات.. ليس عملاً تقنياً يُنجز على عجل، ولا وظيفة هدفها ملء زمن البث بأسرع ما يمكن، هو عملية فكرية ومهنية تبدأ من فهم هوية البرنامج، وتمر باختيار الموضوع، ثم صياغة المحاور، وانتهاءً بانتقاء الضيف القادر على الإضافة، لكن الواقع يكشف أن كثيراً من المعدّين يجتهدون بلا وعي، ويقودهم هاجس السرعة والإنجاز الشكلي إلى التضحية بجودة المحتوى وعمقه. فيتحول الإعداد من صناعة إلى إجراء، ومن إبداع إلى تكرار. كثير من البرامج اليوم تعاني من فقر في التنوع والابتكار، ليس لأن القضايا نضبت، بل لأن الإعداد افتقد الشغف والبحث، تتكرر الموضوعات المعلّبة والجدلية ذاتها، وتُستنسخ الحلقات بصيغ متشابهة، وكأن المشاهد لم يعد يستحق عناء التفكير. السبب غالباً أن المعد لا يملك أدوات التحليل، ولا يعرف مكونات الإعداد الجيد: من تحديد الزاوية، إلى بناء الأسئلة، إلى ضبط الإيقاع، إلى توقع مسارات الحوار. الأخطر من ذلك أن التنسيق مع الضيوف يتم بسطحية، دون معرفة حقيقية بخلفياتهم أو مجالاتهم أو مدى ملاءمتهم لموضوع الحلقة. في تجربتي الشخصية، لمست أيضاً خللاً مهنياً في أسلوب التواصل ذاته، رسائل تُرسل بلا سلام، ولا تعريف بالمرسل، ولا تقدير معنوي، ولا حتى إشارة إلى سبب اختيار الضيف، يُذكر الموضوع والوقت وطريقة الحضور وكأن الأمر إجراء إداري بارد، هذه ليست لغة معدّ ولا منسق برامج؛ بل مؤشر على غياب الوعي بقيمة العلاقة الإنسانية والمهنية مع الضيف، التي تُعد جزءاً أصيلاً من نجاح الحلقة. ولا يمكن عزل هذا الخلل عن صورة أشمل، تتعلق بفهم بعض المعدين لمهنتهم على أنها مجرد مصدر مكافأة أو راتب، لا رسالة ولا شغف فيها. الإعداد عند هؤلاء ينتهي بانتهاء الحلقة، دون تراكم خبرة، أو بناء أرشيف، أو تطوير أدوات. لذلك، حين يقف المقدم على الهواء، يقود المحتوى أحياناً بطغيان واضح، لا لأن رؤيته أعمق، بل لأن الإعداد ضعيف، فيخرج الحوار عن موضوعه، ويتشظى إلى قضايا لا رابط بينها، فتضيع الفكرة، ويُهدر وقت المشاهد. هذه الإشكالات لا تخص نوعاً واحداً من البرامج، بل تنطبق على غالبيتها، وخصوصاً الاجتماعية والرياضية، حيث تتقاطع الخبرة مع الرأي العام، وحيث يكون الخطأ أكثر تأثيراً. من هنا تبرز الحاجة إلى تدبير مهني واعٍ يعيد الاعتبار للإعداد بوصفه حجر الأساس في أي عمل تلفزيوني، ويؤمن بأن المعد المبدع هو صانع القيمة الأولى. المعايير المتوقعة من المعد المحترف واضحة: فهم عميق لهوية البرنامج وأهدافه، قدرة على البحث والتحليل، شغف بالاطلاع والابتكار، مهارة في صياغة المحاور والأسئلة، ووعي بإدارة الوقت والمساحة. ويضاف إلى ذلك إتقان التنسيق مع الضيوف، بدءاً من اختيارهم بناءً على تخصصهم لا شهرتهم، مروراً بالتواصل المهني الراقي، وانتهاءً بإعدادهم معرفياً ونفسياً للحلقة. ومن الضروري أيضاً بناء أرشيف مهني متكامل للضيوف، يتضمن مجالاتهم، وخبراتهم، وطبيعة حضورهم الإعلامي، ومدى ملاءمتهم لموضوعات محددة. هذا الأرشيف ليس ترفاً تنظيمياً، بل أداة استراتيجية تمنع العشوائية، وتضمن توظيف الضيف في المكان الصحيح، وفي التوقيت الصحيح. ويبقى القول: أمام هذا الواقع.. ونحن مقبلون على مناسبات وفعاليات وتغطيات مستقبلية.. يصبح تكثيف الدورات وورش العمل المتخصصة في الإعداد التلفزيوني ضرورة لا خياراً. دورات لا تكتفي بالجانب التقني، بل تركز على الوعي، والأخلاقيات المهنية، وفلسفة المحتوى، وقيمة السؤال، وأهمية احترام المشاهد والضيف معاً. فالإعداد الجيد ليس ما يُنجز بسرعة، بل ما يُصنع بوعي، ويُقدم بصدق، ويترك أثراً.