ظلّ مفهوم القصد حاضرًا في التفكير اللغوي والفلسفي منذ بداياته، لكنّه لم يكن مفهومًا واحدًا بقدر ما كان يتوزّع بين دلالات نفسية ومنطقية وتداولية. ومع تطوّر فلسفة العقل واللغة في القرن العشرين برز تمييز دقيق بين القصد (Intention) بوصفه حالة ذهنية مخصوصة، والقصدية (Intentionality) بوصفها خاصية بنيوية للعقل والوعي. حيث لم يبقَ هذا التمييز في إطار التنظير الفلسفي الخالص، بل وجد طريقه إلى المقاربات التداولية لا سيما في تحليل الأفعال الكلامية مع سيرل. إنّنا حين نتكلّم لا نُحرّك كلماتٍ فحسب، بل نُوقظ طبقاتٍ كاملة من الوعي، ونستدعي تاريخًا طويلًا من التوجّس بين ما نقصد وما تقصده اللغة فينا، فالكلام في أبسط صوره يبدو فعلًا إراديًا. غير أنّ الفلسفة كلّما اقتربت من اللغة زعزعت هذه البداهة، فهل نحن من يقصد المعنى؟ أم أنّ المعنى هو الذي يجد طريقه إلينا عبر بنيةٍ أوسع من إرادتنا؟ أحاول في هذا المقال تتبّع هذا المفهوم في مستوييه من جذوره الظاهراتية عند هوسرل إلى تمثّلاته التداولية عند سيرل. يُعدّ الفيلسوف الألماني هوسرل من أبرز من أعادوا الاعتبار لمفهوم القصدية في الفلسفة الحديثة بوصفها بنية للوعي (المنظور الظاهراتي)، وإن كان المفهوم قد ورد قبله عند برنتانو في القرن التاسع عشر، غير أنّ هوسرل حرّره من الإطار النفسي الضيّق، وأعاده إلى كونه سمةً تأسيسية لكل وعي. حيث يذهب هوسرل إلى أنّ «كل وعي هو وعي بشيء»، وهذه العبارة رغم بساطتها إلا أنّها تُؤسِّس لفكرة مركزيّة مفادها أنّ الوعي لا يوجد مُنعزلًا أو فارغًا، بل هو دومًا متوجّه نحو موضوع، سواء أكان هذا الموضوع واقعيًّا أم مُتخيّلًا أم قيميًّا، فالقصدية هنا ليست نيّة ولا غرضًا بل بنية؛ أي إنّ التفكير والإدراك والتذكّر والحكم كلها أفعال ذهنية لها محتوى واتجاه. إذ الوعي ليس مادة خامًا، فنحن لا نفكّر ثم نبحث عن موضوع، بل إنّ التفكير نفسه مشدودٌ دائمًا إلى موضوع ما، بل وحتى في الوهم والخطأ يظلّ التفكير بنيةً عقلية وفعل إنجاز إذا ما صاحبه الملفوظ في مفارقة واضحة مع نظرية شروط الصدق. فنحن لا نتكلّم من فراغ، ولا نتحكّم تمامًا فيما نقول. إنّنا نقصد، لكنّ القصد نفسه يولد داخل لغة سبقتنا، ومجتمع يُقيّدنا. وبهذا المعنى تكون القصدية سابقة على اللغة، وسابقة على الفعل، وتكون شرط إمكان الدلالة والمعنى. ولا يعني ذلك أنّ هوسرل يُقصي الفاعل أو الإرادة، بل إنّه يفصل بين التوجّه البنيوي للوعي وبين الاستعمال البراغماتي لهذا التوجّه في السياقات التواصلية. وربما أفضى هذا إلى ذلك التحوّل التداولي من القصدية إلى القصد، فحين انتقلت الفلسفة من سؤال الوعي إلى سؤال اللغة، لم يُلغَ مفهوم القصدية، بل أُعيد توظيفه. ففي فلسفة اللغة التحليلية، تحوّل الاهتمام من «كيف يعي العقل الأشياء؟» إلى «كيف تُنجَز الأفعال بالكلمات؟». وهنا تحديدًا، يبرز اسم سيرل الذي أخذ القصدية من حقل فلسفة العقل، وأدخلها في صميم نظرية الأفعال الكلامية. إذ يرى سيرل أنّ الأفعال الكلامية أفعال قصديّة لا يمكن فهم معناها أو نجاحها دون إحالة إلى حالات ذهنية قصدية لدى المتكلم، ومع ذلك فقد ميّز سيرل بوضوح بين القصدية بوصفها خاصية عامة للحالات الذهنية، وبين القصد بوصفه توجيهًا برجماتيًّا محددًا يُعيّن الفعل الإنجازي. فالمتكلم حين يقول: «أعدك أن أفعل» لا يكتفي بمحتوى لغوي، بل يُنشئ التزامًا اجتماعيًا، وهذا الالتزام مشروط بقصدٍ مخصوص، لكنّه في عمقه قائم على بنية قصديّة أوسع. غير أنّ سيرل في الوقت ذاته قد جعل من القصد مُحدِّدًا للقوّة الإنجازية أيضًا، فميّز في الفعل الكلامي بين المحتوى القضوي (ما يُقال، أو فعل الدلالة)، والقوة الإنجازية (ما يُفعل بالقول، أو مغزى الفعل التداولي). وبطبيعة الحال فهذا القصد ليس اعتباطيًا، وإنّما يعمل داخل شبكة من القواعد المؤسسية، وهو ما يُسمّيه سيرل «القصدية المؤسسية». وربما أنّ هذا ما يسترعي انتباهنا إلى تحوّلٍ غير عابر؛ حيث إنّ القصد لم يعد مجرّد حالة نفسية، بل أصبح عنصرًا تداوليًا مُنظمًا بالقواعد، وكأنّه جسرٌ بين البنية الذهنية والفعل الاجتماعي. وخلاصة القول: فإنّ القصدية تنتمي إلى بنية العقل، في حين أنّ القصد ينتمي إلى لحظة الإنجاز، وبهذا فإنّ نظرية الفعل الكلامي لا تُفهم فهمًا دقيقًا إلا إذا وُضعت داخل هذا الأفق المزدوج بين الوعي والاستعمال. ختامًا، فإنّ التمييز بين القصد والقصدية ليس ترفًا مفهوميًا، بل ضرورة تحليلية لفهم اللغة بوصفها فعلًا ومعنى في آن معًا. ومنعًا للفوضى المفاهيمية، واستجابة لبناء تصوّرات مستقيمة لكلّ مقاربة تداولية، فمن دون القصدية تفقد اللغة جذورها الذهنية، ومن دون القصد تفقد فعاليتها التداولية. وبين هذا وذاك تتشكّل اللغة بوصفها ممارسة إنسانية كاملة يتداخل فيها العقل بالنوايا والسياق والمجتمع.