شهدت المجتمعات الإنسانية، قديماً وحديثاً، ظاهرة الانجذاب إلى الشهرة بوصفها رمزاً للقوة والخلود. غير أن التحول الخطير يبدأ عندما لا تعود الشهرة وسيلة لتحقيق رسالة أو قيمة، بل غاية قائمة بذاتها، يُضحّى في سبيلها بالمبادئ الأخلاقية، والقيم الاجتماعية، بل وحتى الالتزامات الدينية. هنا لا نتحدث عن حب الظهور الطبيعي، بل عما يمكن أن نسميه «هوس الشهرة» بوصفها نمطاً فكرياً وسلوكياً يبرّر فعل كل شيء مقابل البقاء في دائرة الضوء. ولو رجعنا إلى التاريخ، لأمكننا رصد هذه الظاهرة في صور متعددة. ففي روما القديمة، على سبيل المثال، تحوّل بعض الساسة والقادة العسكريين إلى أسرى للشعبوية، يقدّمون العروض الدموية في المدرجات ويغذّون غرائز الجماهير طلباً للتصفيق والخلود في الذاكرة العامة، ولو على حساب العدالة أو القيم، ويذكر المؤرخون كيف أن بعض الأباطرة، مثل نيرون، لم يكتفوا بالحكم، بل سعوا إلى أن يكونوا «نجومًا» في الغناء والتمثيل ومغازلة الجماهير. ولا يقتصر طلب الشهرة على الجانب الدنيوي، بل تعداه إلى الجانب الديني. لذلك حذرت الأديان وفي مقدمتها الإسلام من خطر الرياء، أي تحويل العمل الديني من عبادة خالصة إلى استعراض اجتماعي. ويذكر ابن خلدون في «المقدمة» أن فساد القيم يبدأ عندما يصبح «الجاه» وطلب المنزلة عند الناس غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لخدمة الصالح العام، فحينها تُفرغ الأخلاق من مضمونها، وتتحول إلى أدوات تزيين للذات. أما في العصر الحديث، فقد أخذ هوس الشهرة بعداً أكثر تعقيداً مع صعود الإعلام الجماهيري ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد حلّل الفيلسوف الفرنسي غي ديبور هذا التحول في كتابه «مجتمع الاستعراض»، معتبرًا أن الإنسان المعاصر لم يعد يعيش الواقع، بل صورته المعروضة. في هذا السياق، أصبح، ومع كل أسف، «الترند» معيار الصواب والمكانة الاجتماعية. كما أعيد تعريف النجاح بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة أو نزاهة السلوك أو طيب السيرة. وهنا نرى نماذج لأشخاص يبدّلون مواقفهم الأخلاقية والدينية بحسب اتجاه الرأي العام، أو يثيرون الجدل المتعمّد، لأن الصدمة أصبحت أقصر الطرق إلى هذه الشهرة المقيتة وزاد الأمر سوءاً أن تحولت هذه الشهرة إلى رأسمال. ففي الاقتصاد الحديث، الشهرة تساوي مالًا ونفوذاً، ما يغري بتبرير أي تنازل، بل وجعل الآخرين ينظرون إلى هذا التنازل على أنه نجاح، وإلى المتنازل عن قيمه ومبادئه بأنه قدوة. وقد يكون الفراغ القيمي من بين أسباب هوس الشهرة. وكذلك ضغط الجمهور والخوف من النسيان الذي يدفع بعض المشاهير إلى تصعيد سلوكهم، ولو كان ذلك على حساب القيم والدين. كما أن تقديس الصورة السطحية والسريعة قد جعل من العمق عبئاً، ومن الاستقامة «قيمة غير مغرية» إعلامياً. والحقيقة أن المشكلة ليست في الشهرة ذاتها، بل في نزعها من سياقها الأخلاقي والقيمي. فالشهرة التي تُبنى على قيمة أو رسالة يمكن أن تكون أداة إصلاح، أما حين تتحول إلى أمر مقدس جديد، فإنها لا تدمّر صاحبها فحسب، بل تُربك وعي المجتمع كله، وتعيد تعريف النجاح بطريقة سطحية وخطِرة. لكل هذا، لا تستغربوا حين تدعي إحداهن أنها أنجبت وهي في الأصل لم تتزوج، أو حين ترمي الأخرى حجابها وهي كانت تتغنى بالحجاب، أو حين تتعرى إحدى مهووسات الشهرة ويكون محتواها فقط النيل من أبويها وأسرتها ووطنها، فللشهرة اليوم مهووسوها.