وكَمْ عَزِيزٍ وَهَبْنَا التُّربَ جَبْهَتَهُ لَوِ اسْتَطَعْنَا لأسكَنَّاهُ فِي المُقَلِ تداعى إليَّ هذا البيت وأنا أتلقى بكل الحزن خبر رحيل الدكتور عبدالرحمن السويلم، فقد عرفته عن كثب، وعملت معه لسنوات، وأنا إذ أذكره لا أكتب عن رجل سمعت عنه، بل سعَيْتُ معه في عمل دؤوب، رجل أخلص في عمله فَخَلُصَت له المحبة، عرفتُه عن قرب، واقتربت منه عن حبّ، ولكم سمعت منه وأخذت بمشورته وتوجيهه، فكان نعم الأستاذ علمًا وخبرة وتواضعًا. بدأ الدكتور السويلم حياته العملية طبيباً للأطفال، فاتسعت دوائر الرحمة في قلبه لتشمل الصغار والكبار، والعالم كله من حوله داخل المملكة وخارجها، فقد فطر على حب الخير والعمل التطوعي والرحمة بالبشر أينما كانوا. التقيته بعد أن توليت إدارة التدريب والابتعاث بوزارة الصحة قبل ما يقارب أربعين سنة، وكان معالي الدكتور السويلم حينها يشغل منصب الوكيل المساعد للطب العلاجي، فتحدثنا بالتفصيل عن الطموحات، والتوقعات، وما يأمله من إدارة التدريب والابتعاث تحديدًا. عملت معه حيناً من الدهر فما أبديت من فكرة إلا تجاوب معها مشجعاً ومطوراً ومؤيداً، ما رأيت منه تثبيطاً، ولا تقليلاً من جهد. وللدكتور السويلم فضل وريادة، ففي وقتٍ لم يكن لدينا مستشفى يقدم دورات تخصصية، كان الدكتور عبدالرحمن السويلم بصفته وكيلًا مساعدًا للطب العلاجي -وهو طبيب أطفال- قد أنشأ بالتعاون مع جامعة بريطانية دبلومًا لطب الأطفال مدته عام، يُخرِّج أطباء على دراية بأساسيات هذا الفرع من الطبّ، ثم أسَّسَ بعد ذلك بالتعاون مع إحدى الجامعات البريطانية دورة مماثلة مدتها عام أيضًا، تمنح دبلومًا في النساء والولادة، وظلا لمدة طويلة البرنامجين الوحيدين المتوفرين على مستوى المملكة، وكانت لهما مخرجات فعلية، فكان -رحمه الله- رائداً ومُلهماً للاستزادة من هذه البرامج في تخصصات أخرى. وعندما طرأت فكرة انتشار خدمة الهلال الأحمر على الطرق، وتخصيص مواقع لمراكز الإسعاف في المدن، تزامنت هذه الخطوات التطويرية مع تعيين معالي الدكتور عبدالرحمن السويلم رئيسًا للهلال الأحمر السعودي، فكان مساندًا للمبادرات، شجاعًا في قراراته، صاحب رؤية، وعمل استراتيجي، سخَّر خبراته وعلاقاته لخدمة العمل، مما فتح لي الباب على مصراعيه، بحكم مسؤوليتي نائبًا له، فكنت عضده الأيمن لمواصلة هذه التطويرات. لم يكن الدكتور السويلم -رحمه الله- يرى العمل مجرد وظيفة، إنما هو أمانة ومسؤولية، فكان يراجع دائمًا واقعه، ويتطلع إلى مستقبله، مخططاً له، حريصاً على إتمامه على الوجه الأكمل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ ومثال ذلك عندما تمت الموافقة على إنشاء مقر للهلال الأحمر السعودي، طرحنا أمر اختيار مكانه للمداولة، فوجَّه معالي د. السويلم بشراء الأرض الواقعة في حي الصحافة على طريق الملك فهد، كونه مكانًا متميزاً. فتم ذلك عن رؤيته واختياره. ومع نهاية الألفية الماضية، وفي بدايات الألفية الحالية، وقعت أزمة إنسانية في كوسوفا والشيشان، وتشكلت لجنة تنفيذية برئاسة رئيس الهلال الأحمر السعودي آنذاك معالي الدكتور عبد الرحمن السويلم، وهو صاحب المبادرات الشجاعة والجريئة، مما عجّل باتخاذ الترتيبات السريعة للتحرك الفوري لتنفيذ أعمال الإغاثة للشيشان وكوسوفا، إلى أن تم تحريرها، وعودة اللاجئين الكوسوفيين إلى بلادهم بمساعدة الإغاثة السعودية. وكان للدكتور السويلم -رحمه الله- دور بارز في توفير خدمات الإسعاف الطائر بالمملكة، ففي سبيل تحقيق ذلك عقد لقاء مع عدد من رجال الأعمال لبحث إمكانية مساهمتهم في تنفيذ البرنامج، وقد أسفرت جهوده عن تحقيق خدمة الإسعاف الطائر للهلال الأحمر السعودي في منطقة مكةالمكرمة لأول مرة في عام 1424ه، من خلال طائرتين هليوكبتر إسعافيتين لخدمة ضيوف الرحمن في مواسم الحج والعمرة، وتوفير الخدمة على مدار العام في حدود المنطقة. بفقده لم نفقد إنساناً واحداً، بل قافلة من قلوب رحيمة، جعلت همها خدمة الناس ومساعدة المحتاجين وخاصة المرضى، بكل إخلاص وتفان ومحبة، وكأنه المسؤول عن تألم كل مريض، فألزم نفسه بتوفير ما يحتاجه، بعمله وجهده وعلاقاته التي سخرها لخدمة الضعفاء والمحتاجين. لن تُذكَر الخدمات الصحية في المملكة وتطورها إلا مقرونة بذكره الطيب. أيُقَالُ مَاتَ وَذِكْرُهُ مًتَجَدِّدٌ – وَبِكُلِّ نَاحِيَةٍ تُطِلُّ لَهُ يَدُ؟ عندما كان وكيلاً لوزارة الصحة سخّر خبرته لخدمة المرضى بإخلاص وتفانٍ تام، وعندما تولى رئاسة جمعية الهلال الأحمر نقل خدمات الإسعاف خطوات واسعة، واتسعت دوائر الإغاثة السعودية إلى المنكوبين في شتى بقاع العالم. وكم للدكتور السويلم من ريادات ونبات طيب وضع بذرته ورعى شجرته وتركه يفيض بالخير والرحمة من بعده، ومن ذلك إقامة جمعية العناية بالمرضى المحتاجين (عناية). وجهوده في إقامة مؤتمر حقوق الإنسان في السلم والحرب، وله جهود كبيرة في العديد من برامج الإغاثة الخارجية، ودعمه الدائم لبرنامج التطوع والمتطوعين، وكذلك عمله التطوعي الفاعل في العديد من الجمعيات الخيرية، وعمله نائبًا لرئيس جمعية الأطفال المعوقين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان لعقود من الزمن، وكذلك إسهامه الفاعل في تطورها وانتشارها في جميع مناطق المملكة. وكان -رحمه الله- وجيهاً محبوباً من الجميع، لا يكاد مسؤول أو صاحب عمل يرد له طلبًا محبة وتقديرًا، فوجَّهَ ذلك لخدمة المرضى، فكوَّن لجان أصدقاء المرضى، ودفع وطور بوجاهته وقدرته من فاعلية لجان الهلال الأحمر في المناطق كافة، هذا بعض ما علمناه عنه، ولا يعلم ما بينه وبين ربه إلا علام الغيوب. لقد كانت حياة الفقيد منذورة لأعمال الخير، وظلت شجرته وارفة الظلال حتى فارق دنيانا. كثيرة هي أياديه البيضاء، وجهوده المخلصة، فما أطيب سيرته العطرة، ولكنه الموت، قدر الله المحتوم على الخلائق أجمعين، وصدق الشاعر العباسي أبو الحسن التهامي: حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري -- ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها -- مُتَطَلِّب في الماءِ جَذوةَ نارِ ونحن إذ نودع اليوم معالي الدكتور عبد الرحمن السويلم، نسأل الله أن يجزيه عما قدمه خير الجزاء، وأن يجعل مقامه في عليين مع الأنبياء والأولياء والصديقين، وحسن أؤلئك رفيقاً. وأن يجعل سيرته ومسيرته ملهمة لمن بعده ويجمع فضل ذلك كله في موازينه... اللهم آمين.