هل تحولت طاولاتنا المستديرة إلى ملاذات آمنة نمارس فيها فن الهروب من مواجهة الإخفاق؟ وهل أصبح ضجيج الكلمات في القاعات هو الستار الذي نسدله لنواري خلفه صمت المنجزات في الميدان؟ في عمق الكواليس المؤسسية، نشأ عرف خفي يرى في الاجتماع درعا حصينا يحمي من المساءلة؛ فبدلا من اتخاذ قرار جريء، نقوم بتحويله إلى لجنة، وبدلا من مواجهة خلل ما، ندعو إلى جلسة عصف ذهني لا تنتهي. هنا، لم يعد الاجتماع وسيلة للتنسيق، بل غاية في حد ذاته، وصار طول الجلسة يتخذ كذريعة لإثبات جدية العمل، بينما الحقيقة أن الإنجاز الحقيقي يولد في ساحات التنفيذ لا في ردهات الانتظار. اجتماعات العمل في أصلها بوصلة تضبط المسار، لكنها تتحول إلى قيد حين تغيب عنها الأجندة الواضحة وتطغى عليها العشوائية. في تلك اللحظة، يغرق الحضور في محيط من التفاصيل الجانبية، حتى يخيل للمراقب أن المؤسسة قد استبدلت صناعة النتائج بصناعة المحاضر. الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذه القاعات إلى مخابئ من الحقائق المجردة؛ إذ يستبدل الجهد الميداني بتدفق لغوي لا يغير من الواقع شيئا. هذا النمط من الإدارة لا يبدد الوقت الفعلي للمنظمة فحسب، بل يغتال شغف المبادرة لدى المبدعين، الذين يجدون أنفسهم أسرى لثرثرة منظمة تعيق حركتهم، وتحوّل بيئة العمل من خلية إنتاج نابضة إلى مسرحية دورية تعقد فصولها دون أن يسدل الستار على قرار نافذ. إن إدارة المستقبل تكمن في ثقافة الحسم لا في هواية الحضور. ففي عصر يتسم بالسرعة، نجد أن الكثير من الملفات العالقة كان يمكن تصفيتها برسالة بريد إلكتروني مركّزة، أو عبر منصات التواصل الرقمية التي تمنحنا مرونة الرد وعمق التفكير بعيدا عن ضغط القاعات الخانق. المؤسسة الحية هي التي تجعل من الاجتماع استثناء ومن الإنجاز قاعدة، وتدرك أن أي لقاء لا ينتهي بتوصيات مرقّمة، وتواريخ محددة، ومسؤوليات واضحة، هو في الحقيقة نزهة إدارية باهظة الثمن تسدد من رصيد المستقبل. * بصيرة: القيمة الحقيقية تكتب في سجلات النتائج لا في قوائم الحضور، والوقت هو المورد الوحيد الذي لا يقبل الاسترداد؛ فلا تنفقه في حوارات عقيمة كان يكفيها سطرا واحدا في بريد إلكتروني عابر.