في قلب الجزيرة العربية تتشكل ملامح مشهد جديد يعيد تعريف مفهوم السياحة على أرض المملكة، حيث تتحول الصحراء إلى مسرحٍ للحياة، والجبال إلى منصات للفنون، والمدن التاريخية إلى رواةٍ لحكايات الماضي الممتدة نحو المستقبل، لم يعد السفر إلى المملكة رحلة عابرة، بل تجربة غنية تروي تفاصيل هوية وطنٍ يعيد تقديم نفسه للعالم بصورةٍ تجمع بين الأصالة والابتكار، لقد أصبحت السياحة في المملكة ركيزة تنموية كبرى، تنبض بروح رؤية 2030، التي وضعت هذا القطاع في مقدمة محركات النمو الاقتصادي والتنوع الثقافي، فالمشاريع الضخمة، والمبادرات المتجددة، والبنية التحتية المتطورة ليست مجرد أدوات جذب، بل هي تجسيد لرغبةٍ حقيقية في بناء اقتصادٍ مزدهر يضع الإنسان في قلب التنمية، فالسائح اليوم لا يبحث فقط عن الأماكن، بل عن القصص والتجارب التي تعكس روح المكان، وهو ما تقدمه المملكة بكل ثقةً وجمالاً. السياحة في المملكة تشهد تحولاً نوعياً في جذب الزوّار مهرجانات موسمية وأعادت المهرجانات الموسمية، مثل موسم الرياض ومهرجان العلا للموسيقى تعريف مفهوم السياحة الثقافية، لتجعل من الفعاليات منصة تفاعلية تجمع بين الفن والاقتصاد والهوية الوطنية، بهذا الزخم المتصاعد، تبرز السعودية كوجهة عالمية تنسج خيوط الأصالة والتجديد في لوحة واحدة، إنها لا تكتفي بأن تكون محطة للزيارة، بل تسعى لأن تكون تجربة لا تُنسى، تُحاكي المشاعر وتُثري الفكر وتُعيد تعريف معنى الرحلة، فكل مدينة سعودية اليوم تهمس بقصتها الخاصة، وكل مشروعٍ فيها يروي فصلاً جديدًا من حكاية وطنٍ يكتب مستقبله بثقة، ويقدّم للعالم تجربةً سياحية استثنائية، تستمد جمالها من عمق التاريخ وقوة الحلم. وقفزت أرقام السياحة قفزات غير مسبوقة؛ إذ استقبلت المملكة عام 2024 أكثر من 116 مليون زائر من الداخل والخارج، بينهم نحو 30 مليون زائر دولي، وبلغ حجم الإنفاق السياحي أكثر من 283 مليار ريال، في مؤشر واضح على التحول النوعي الذي يشهده القطاع، هذا النمو لم يأتِ صدفة، بل نتيجة استراتيجية وطنية شاملة جمعت بين تطوير الوجهات السياحية وتعزيز الهوية الثقافية وتمكين المجتمعات المحلية، ففي العلا، تتجسد العلاقة بين التاريخ والفن في صورة مذهلة، حيث تتحول الجبال الصخرية إلى خلفية لعروض موسيقية عالمية، وفي الدرعية ينبض التاريخ بحياة جديدة، وفي عسير والطائف ينبعث الجمال من الطبيعة الخضراء والقمم المضيئة، هذه الوجهات وغيرها تروي حكاية وطنٍ استثمر في تراثه، وفتح أبوابه للعالم ليشاركه لحظات الإعجاب والانبهار، ولا يقتصر الحراك السياحي على تطوير الأماكن فحسب، بل يمتد ليشمل الإنسان السعودي ذاته، الذي أصبح اليوم جزءًا من التجربة السياحية، سواء كمرشدٍ أو فنانٍ أو صاحب مشروع محلي. ضرورة ملحّة وتحدثت د. عبير بنت أحمد القدهي -عضو هيئة التدريس في قسم الصحافة والإعلام الجديد في جامعة الإمام محمد بن سعود- عن الترويج الرقمي للسياحة، حيث تتمتّع المملكة بمقومات متميزة في مختلف مناطقها، وقد عملت وزارة السياحة على تطوير هذا القطاع ورفع معدلات الاستثمار فيه، إلى جانب تنمية الكفاءات البشرية واستقطاب الزوار من داخل المملكة وخارجها، بما ينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للسياحة ورؤية 2030، مضيفةً أنه تُعد صناعة السياحة والسفر من أكبر الصناعات وأكثرها ربحًا عالميًا، مما جعل التسويق الرقمي ضرورة ملحّة وأداة أساسية في الترويج للخدمات السياحية بالمملكة وتطوير القطاع، مبينةً أنه أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا جذريًا في هذا المجال؛ إذ أصبحت منصات مثل "إكس" و"إنستغرام" و"يوتيوب" قنوات رئيسة للحصول على المعلومات حول الوجهات السياحية وأنشطتها، والوصول إلى الجمهور في وقت قياسي، ويبرز ذلك من خلال الإعلانات الموجَّهة بالبيانات، مثل حملات Google Ads لاستهداف فئات محددة وفق اهتماماتهم وسلوكهم، إضافةً إلى توظيف الفيديوهات القصيرة -Reels- لعرض التجارب السياحية، واستخدام تقنيات الواقعين المعزز والافتراضي لتقديم جولات سياحية افتراضية ثرية. توظيف التقنية وفي ظل التوسع المتزايد في استخدام المنصات الرقمية والتطبيقات السياحية، تحدث د.بلال المطارنة -متخصص في أنظمة وأمن المعلومات من جامعة العربية المفتوحة- أن حماية بيانات السياح تمثل أولوية قصوى لضمان الثقة في هذه الخدمات، وتشمل أبرز التدابير المعتمدة في هذا المجال تشفير البيانات الشخصية والمالية، وتطبيق أنظمة المصادقة الثنائية لتعزيز أمان الحسابات، مضيفاً أنه في قطاع السياحة الرقمي تتزايد المخاطر السيبرانية بشكل لافت، حيث أن أبرز التهديدات تتمثل في اختراق قواعد البيانات وسرقة المعلومات الشخصية والمالية للسياح، إلى جانب انتشار هجمات التصيّد الإلكتروني التي تستهدف المستخدمين بخدع رقمية للحصول على بيانات حساسة، كما يشكل برامج الفدية والبرمجيات الخبيثة خطراً حقيقياً قد يؤدي إلى تعطيل منصات الحجز أو أنظمة الفنادق والمطارات، فضلاً عن الهجمات على أنظمة الدفع الإلكتروني التي قد تؤدي إلى خسائر مالية مباشرة. وذكر د.رامي بن محمد -عضو هيئة تدريس جامعة الإمام محمد بن فيصل- أن السياحة أصبحت ركيزة رئيسية في مشروع وطني ضخم تتجسد ملامحه في رؤية 2030، وهي رؤية وضعت هذا القطاع في مقدمة المسارات الواعدة إدراكًا لما تزخر به المملكة من تنوع جغرافي نادر، وكنوز أثرية وتاريخية، وطاقة بشرية مؤهلة لصناعة التحول، هذه النقلة الرقمية تعكس طموح المملكة في أن تصبح مرجعًا عالميًا في توظيف التقنية لتعزيز جاذبية الوجهات السياحية، حيث يلتقي التراث المتجدد مع الرؤية الوطنية الطموحة والتقنية الذكية التي تحتضن الحاضر والمستقبل، لقد تحوّل التطور التقني في المملكة إلى جسر يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الزائر أفقًا أوسع للتواصل مع المعالم والوجهات السياحية، فالتكنولوجيا تساهم في إظهار القصة الكامنة خلف كل موقع، وتضيف إلى التجربة أبعادًا من المعرفة والمتعة معًا، ومن خلال هذا الدمج، ترتقي السياحة السعودية بمفهومها، فتتحول الزيارة إلى تجربة شاملة تحيط بالزائر من جميع الجوانب. حضور رقمي عبر منصات متطورة تقدم للسائح ما يحتاجه في رحلته نافذة واسعة وذكر د. رامي أن المبادرات الوطنية وفرت أساسًا صلبًا يدعم السياحة، حيث عززت الجهات المعنية حضورها الرقمي عبر منصات متطورة تقدم للزائر ما يحتاجه منذ لحظة البحث عن وجهة وحتى ختام رحلته، هذه الجهود جعلت التقنية امتدادًا طبيعيًا للتجربة السياحية وليست عنصرًا إضافيًا عليها، ومن النماذج البارزة التي انطلقت في هذا المجال تطبيق "روح السعودية"، الذي تحول إلى نافذة واسعة تعرّف بالوجهات والمهرجانات الموسمية، وتتيح الحجز وخيارات الإقامة والتنقل بسهولة، وتصميمه المرن وتعدد اللغات أسهما في جعله وسيلة مفضلة للسائح المحلي والدولي، مما يجعله مثالًا واضحًا لكيفية دمج التقنية بخدمات عملية ترفع مستوى التجربة، كما أسهمت المنصات التفاعلية في تحريك السياحة الداخلية عبر إتاحة خرائط ذكية ومحتوى بصري غني يعرض الوجهات بطريقة مشوقة، إضافة إلى توفير معلومات دقيقة عن الأنشطة والمرافق، ومعالجة تحديات تتعلق باللغة أو سهولة الحجز والتنقل. توصية ذكية ويمثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات مرحلة متقدمة في تطوير السياحة السعودية، حيث انتقلت التقنية من كونها وسيلة لتقديم الخدمات إلى أداة تتنبأ بالاحتياجات وتوجه القرارات، مع القدرة على جمع كم هائل من البيانات من مصادر متعددة، مثل حجوزات الفنادق واستخدام التطبيقات وتفاعل الزوار مع المنصات الرقمية، مما فتح آفاقًا جديدة لفهم أنماط السلوك السياحي، هذا الفهم العميق يساعد على تصميم تجارب أكثر دقة وتخصصًا، بحيث يجد الزائر عروضًا واقتراحات تناسب اهتماماته بشكل شخصي، وتبرز أنظمة التوصية الذكية مثالًا واضحًا على توظيف الذكاء الاصطناعي، فهي تقترح للزائر وجهات أو فعاليات اعتمادًا على تفضيلاته السابقة أو على ما يلاقي رواجًا لدى من يشبهونه في الاهتمامات، كما تُستخدم تقنيات التحليل التنبؤي لتقدير حجم الإقبال على الفعاليات أو الوجهات في مواسم معينة، الأمر الذي يساعد الجهات المنظمة والمستثمرين على التخطيط بشكل أفضل وتوزيع الموارد بكفاءة عالية. عمق التجربة وها نحن الآن نشهد كيف تتسارع الابتكارات التقنية لتفتح أمام السياحة السعودية مسارات جديدة تضيف عمقًا للتجربة وتمنحها بعدًا عالميًا، ومن أبرز هذه التوجهات تقنيات الواقع المعزز والواقع المختلط، التي تمنح الزائر فرصة للتفاعل المباشر مع المواقع الأثرية والثقافية من خلال إضافة طبقات بصرية وصوتية رقمية تجعل المشهد أكثر ثراءً ووضوحًا، والزائر الذي يقف أمام أثر تاريخي يمكنه عبر هذه الأدوات أن يطلع على مراحل نشأته وتفاصيل حياته اليومية بصورة افتراضية، فيعيش التجربة وكأنه جزء من الحكاية، كما تتجه المملكة إلى توظيف تقنيات "ميتافيرس السياحية"، التي تتيح جولات افتراضية ثلاثية الأبعاد بقدرات تفاعلية، ما يمنح الراغبين في زيارة المملكة تجربة أولية تعكس جمال الوجهات قبل الوصول إليها، وهذا الاستخدام الذكي يخلق رغبة أكبر في خوض الرحلة الواقعية، ويعزز من ثقة السائح في ترتيب خطته مسبقًا استنادًا إلى ما عايشه افتراضيًا، ولا يقتصر الأمر على إبهار الزائر فحسب، بل يمتد إلى خلق فرص اقتصادية واستثمارية جديدة، إذ تشكل هذه التقنيات منصة لابتكار منتجات سياحية رقمية قادرة على مخاطبة الأجيال الشابة التي تبحث عن تجارب تتسم بالحداثة والارتباط الوثيق بالتكنولوجيا، كما تسهم في تعزيز البعد التعليمي للرحلات، حيث تتحول المواقع الثقافية والتاريخية إلى قاعات مفتوحة يتفاعل فيها الزائر مع محتوى معرفي متكامل، تذاكر إلكترونية وفي موسم الرياض، برزت المنصات الرقمية كتجربة متكاملة لإدارة الفعاليات الكبرى، إذ وفرت التذاكر الإلكترونية، وجدولة الأنشطة، وربطت الزوار بشبكة واسعة من الخدمات اللوجستية وكانت النتيجة انسيابية في الحركة ومتعة مضاعفة في الاستكشاف، وجسدت كيف يمكن للتقنية أن تقود واحدة من أضخم الفعاليات العالمية، كما قدمت جدة التاريخية نموذجًا آخر، حيث أُعيد إحياء البلدة القديمة عبر جولات افتراضية متعددة اللغات ومحتوى رقمي يتيح للزوار في الداخل والخارج التعرف على هذا الإرث العالمي، وهنا أصبحت التقنية جسرًا يصل الماضي بالحاضر ويُعرّف الجمهور الدولي بالهوية السعودية، وفي المشاريع المستقبلية مثل نيوم والبحر الأحمر، تُستخدم الأدوات الذكية منذ البداية لضمان تجربة مستدامة متوازنة مع البيئة، من خلال تطبيقات لإدارة حركة الزوار والحفاظ على البيئة البحرية والبرية، هذا التوجه لا يعكس فقط البعد التقني وإنما يضمن سياحة مسؤولة تعزز جودة التجربة وتحمي الموارد الطبيعية في الوقت نفسه، حتى على مستوى البنية التحتية، مثل مطار الملك عبدالعزيز الدولي الجديد بجدة، جسدت الأنظمة الرقمية الحديثة تجربة سفر سلسة، تبدأ من تسجيل الوصول الذاتي وتمتد إلى الخدمات الذكية في صالات الانتظار، مانحة السائح القادم أول انطباع إيجابي متكامل عن الوجهة. مصادقة ثنائية وبالحديث عن حماية بيانات السياح، ذكر البراء الصادق -مختص ومحلل أمن السيبراني- أن من أهم التدابير التي تحمي معلومات الزوار على منصات الحجز والتطبيقات السياحية هي المصادقة الثنائية لضمان أن دخول المستخدمين يتم بطريقة آمنة، بالإضافة إلى تشفير البيانات، وحماية المعلومات الحساسة مثل بيانات البطاقات البنكية والمعلومات الشخصية أثناء التخزين والنقل، كذلك إدارة الصلاحيات، بتقييد الوصول للموظفين فقط لمن يحتاجون البيانات، إضافة إلى المراقبة والتدقيق ومتابعة الأنشطة المشبوهة على المنصات والتنبيهات الفورية عند حدوث محاولات اختراق، إلى جانب تحديثات الأمان المنتظمة؛ لضمان عدم استغلال الثغرات البرمجية القديمة، مضيفاً أن أبرز المخاطر السيبرانية التي تواجه قطاع السياحة الرقمي، هي هجمات التصيد الاحتيالي، وخداع المستخدمين للحصول على بياناتهم الشخصية والمالية، وسرقة معلومات البطاقات البنكية من خلال منصات حجز غير آمنة أو برامج ضارة، بالإضافة إلى البرمجيات الخبيثة التي قد تصيب أنظمة شركات السياحة وتمنعها من العمل، أيضاً هجمات حجب الخدمة، وتعطيل المواقع أو التطبيقات السياحية عن العمل، كذلك التهديد الداخلي، وتسريب معلومات من موظفين لديهم صلاحيات الوصول، مُشدداً على ضرورة اختبارات الاختراق الدورية للتأكد من عدم وجود ثغرات أمنية في المنصة، والمراقبة المستمرة لمتابعة أي نشاط مشبوه أو هجمات محتملة بشكل فوري، وتصميم آمن من البداية، واستخدام ممارسات البرمجة الآمنة ومعايير حماية البيانات أثناء تطوير المنصة. المملكة تحتضن معالم أثرية مهمة